ثقافة وفنون

هل أبطل الغزالي السببية؟

أكثر نقد تعرض له أبو حامد الغزالي من قبل الفلاسفة والمفكرين، كان حيال موقفه من السببية، لدرجة أن البعض حملوه مسؤولية انحطاط الفكر العقلاني في العالم الإسلامي، أو أنه صاحب التأثير الأقوى على صعيد الثقافة العالمة في هذا الانحطاط بسبب إبطاله مبدأ السببية وقوله بـ “العادة”.

لم تكن فكرة العادة في الطبيعة من ابتكار الغزالي، فقد سبقه إليها بعض أئمة المعتزلة، لكن أهمية المسألة أخذت بعدا آخر مع الغزالي لأنه ربطها بإبطال مبدأ السببية في الطبيعة.

نشأت فكرة العادة كتطور منطقي لأفكار المعتزلة حول تصورهم للعالم، وكانت البداية مع أبي هذيل العلاف الذي قال بالجوهر الفرد، والمقصود به الجزء الذي يتجزأ من المادة (الذرة بلغتنا المعاصرة).

وكانت الغاية من طرح هذه الفكرة هي إثبات قدرة الله تعالى على العلم والإحاطة بكل شيء، وحتى يكون ذلك، لا بد أن تنتهي المادة إلى حد لا تنقسم بعده، لأنه لو ظلت تنقسم إلى ما لا نهاية، فعندها يتعذر إحاطة الله بهذه الموجودات ويصبح العالم بلا نهاية.

ولما كانت الجواهر الفردة (الأجزاء التي لا تتجزأ) من وجهة نظر المعتزلة منفصلة عن بعضها البعض، فلا يمكن أن يكون ثمة تأثير في ما بينها (لا تؤثر أحدها بالأخرى)، لأن التأثير لا يكون إلا في المختلفات بحيث يكون في المؤثر قوة أكثر مما في المتأثر.

وهذا يعني أنه لا توجد صفات طبيعية ذاتية في الأجسام تجعل من كل جسم يحمل خاصية محددة، ولما كان الأمر على هذا النحو من وجهة نظرهم، فإن النتيجة هي القول بعدم وجود علاقة سببية بين الأجسام.

غير أن هذا الرأي يتعارض مع المشاهد والحوادث الكثيرة في الطبيعة، والحل كان بالنسبة للمعتزلة القول بـ العادة، أي أن الاطراد الذي نلاحظه في الطبيعة ليس سوى عادة، اعتاد عليها الإنسان في ربط الحوادث الطبيعية، فالنار تحرق الورق ليس لأن النار من طبيعتها الإحراق والورق من طبيعته الاحتراق، بل هي عادة اعتدنا عليها في توقع النتيجة هذه بسبب تكرار مشاهدتها.

المسألة الـ17

سار الغزالي على خطى المعتزلة والأشاعرة قبله بالقول إن الأشياء مستقلة عن بعضها البعض، وأنه أبطل دليل المشاهدة الذي اعتمده الفلاسفة للتدليل على السببية، فالمشاهدة لا تدل على حصول الشيء بالشيء، بل حصوله عنده أو معه، ولا تدل على أن لا علة له سواه.

لكن، هذه المسألة أخذت معه بعدا فلسفيا تناولها في المسألة الـ17 من كتابه “تهافت الفلاسفة”، فقال:

الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببـا وبين

ما يعتقد مسببـا ليس ضروريـا عندنا، بل كل

شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هـذا ولا إثبات

أحـدهمـا متضمنــا لإثبــات الآخــر ولا نفيــه

متضمنـا لنفــي الآخـر، فليس مــن ضــرورة

وجـود أحـدهمـا وجـود الآخـر ولا من ضرورة

عـدم أحدهمـا عدم الأخر.. فـإن اقترانها لما

سبـق من تقدير الله بخلقها على التسـاوق

لا لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفوت

(الافتـراق) بـل فـي المقـدور خلـق الشبـع

دون الأكل وخلق الموت دون جز الرقبة.

بعبارة أخرى، يقصد الغزالي أن النتيجة التي تظهر من تلاقي جسمين ليست ناجمة عن طبيعتهما (النار من طبيعتها الإحراق والقطنة من طبيعتها الاحتراق مثلا)، وإنما ناجمة عن إرادة الله في اللحظة التي يلتقي بها هذين الجسمين، وإذا ثبت أن الله يخلق الاحتراق بإرادته عند ملاقاة القطنة النار، أمكن في العقل ألا يخلق الاحتراق، مع التقائهما.

الاقتران الحاصل بين الأجسام في الطبيعة راجع إلى ما سبق من تقدير الله أن يخلق هذه الأشياء على التساوق، وما نراه من أن شيئين تتابعا في الحدوث أمام إدراكنا فارتبط من جراء هذا التلازم والتكرار تكوين عادة عن توقع ذلك الاقتران في المستقبل.

والحقيقة بالنسبة للغزالي هي أنه لا يجوز إسناد الفعل إلى الأشياء الجامدة، لأن الفعل يتطب إرادة حقيقية، وهذه هي إرادة الله تعالى.

الخلاصة مما تقدم، أن الغزالي يرفض وجود ضرورة موضوعية بين العلة والمعلول وبالتالي يرفض مبدأ السببية ومن ثم مبدأ الحتمية في الطبيعة، ويقيم مكانها علاقة إمكانية ليس إلا.

ثم يعتمد الغزالي مقامات ثلاثة للرد على الفلاسفة، سنأخذ الأول والثاني فقط:

ـ إدعاء الفلاسفة أن الفعل في الأجسام ناشئ عن طبيعتها، لا من الله.

ـ نسبة الأفعال إلى فاعل أول هو الله، لكن الله هو أيضا يفعل بطبعه وليس بحرية.

بالنسبة للمقام الأول، يقول الغزالي:

فاعـل الاحتراق بخلق السواد فـي القـطن والتفرق

في أجـزائه، وجعله حراقـا، أو رمادا، هو الله تعالى،

إمـا بـواسطة المـلائكة، أو بغير واسطـة، فأما النـار

وهي جماد، فلا فعل لها.

وبالنسبة للمقام الثاني، يقول:

مـع من يسلم أن هذه الحـوادث، تفيض مـن مبـدأ

الحـوادث، ولكن الاستعداد لقبـول الصور، يحصــل

بهــذه الأسبـاب المشـاهدة الحــاضرة، إلا أن تلـك

المبـادئ أيضا، تصدر الأشياء منها باللزوم والطبـع

لا علـى سبيل التروي والاختيـار.

بعد هذه المقدمة، يبدأ الغزالي الرد على الفلاسفة في هذه المسألة عبر مسلكين، الأول، يؤكد فيه أن الروابط بين الأحداث والأشياء ليست ضرورية وأن الله يفعل ما يريد بحرية تامة، وفي المسلك الثاني يبدو أن الغزالي يسلم بمبدأ السببية كي يتجنب ما وصفه بـ “النتائج الشنيعة”:

يعتمد الغزالي الطريقة الجدالية في شرح هذين المستويين، فيعرض أفكار الفلاسفة، ثم يقوم بالرد عليهم من خلال طرح نظريته الخاصة به، المناقضة لنظرية الفلاسفة حول السببية:

يقول في المسلك الأول:

فهذا يجر إلى ارتكاب محالات شنيعة، فإنه إذا أنكر

لزوم المسببـات عـن أسبـابها وأضيفت إلــى إرادة

مخترعهـا ولـم يكن للإرادة منهج مخصـوص معيـن،

بـل أمكن تفننـه وتنـوعه، فليجـوز كـل واحد منا، أن

يكـون بين يديـه، سبـاع ضـارية، ونيران مشتعـلة…

فيجــوز لمـن وضـع كتـابا فـي بيتــه أن ينقلب هـذا

الكتاب عند رجوعه إلى البيت غلاما أمرد أو حيوان.

ورد الغزالي على ذلك:

إن ثبت الممكـن كـونه لا يجــوز أن يخلـق للإنســان

علم بعدم كونه، لزم هذه المحـالات، ونحن لا نشـك

في هذه الصـور التـي أوردتمـوهـا، فـإن الله تعـالى

خلق لنـا علمـا، بـأن هذه الممكنات، لم يفعلها، ولم

ندع أن هذه الأمـور واجبة، بل هـي ممكنة، يجوز أن

تقع ويجوز أن لا تقع.

توضح هذه الفقرة إمكانية المعرفة بدون الحتمية السببية، فلا ضرورة في الوجود وفقا للغزالي، فشرط إمكانية المعرفة لا يكمن بوجود الضرورة، وإنما بالاعتقاد أن الله قد قضى بذلك وأعلمنا به.

أما المسلك الثاني، فيقول فيه:

المســـلك الثـانــي، وفيــه الخـــلاص مــن هــذه

التشنيعات، وهو أنا نسلم، أن النـار خلقت خلقة،

إذا لاقاها قطنتنان متماثلتان ولم تفرق بينهما إذا

تماثلتا من كل وجه.

قد يبدو هنا أن الغزالي يوافق على مبدأ السببية، الأمر الذي دفع البعض إلى القول إن الغزالي لم يستطع إلا أن ينتهي إلى القبول بالسببية.

هنا، يتساءل أبو يعرب المرزوقي لماذا استعمل الغزالي المسلك الثاني إذا لم يكن يهدف به إلى التسليم بضرورة الرابطة السببية؟ يجيب إنها طريقة في الدحض، فهو يعني بهذا المسلك أنه حتى إذا سلمنا للفلاسفة ضرورة الرابطة السببية، فلا شيء يثبت أن مجرى الأحداث الحقيقي ينطبق مع علمهم به ويقتصر عنه، ولذلك، يؤكد أبو يعرب المرزوقي على أهمية المسلك الأول لا الثاني الذي يعبر عن حقيقة موقف الغزالي.

بكل الأحوال، واضح من حجج الغزالي أن الفلسفة في عصره كانت تختزل بفلسفة ابن سينا التلفيقية، وخصوصا نظرية الفيض الثلاثية، ومن هنا جاء رده على الفلسفة ممثلة بـ ابن سينا.

لا إنكار للسببية

يذهب فرانك غريفل في كتابه “فلسفة الغزالي الدينية” إلى أن الغزالي لم ينفي السببية، وإنما فقط يعترض على كون السببيّة مبدأ إبستيمولوجيًّا للعلوم الطبيعيّة، كما يعترض على فكرة الحتميّة عند ابن سينا.

ويرى غريفل أن مقولة الغزالي تشابه فرضية “الأكوان المتوازية” في الفيزياء الكونية، حيث لاحظ فيزيائيون درسوا مستوى الكم أشياء غريبة في هذا العالم، منها أن الجزيئات الموجودة في هذا المستوى تأخذ أشكالا مختلفة بشكل اعتباطي، فعلى سبيل المثال، تتصرف الفوتونات (رزم صغيرة من الضوء) كجسيمات وكأمواج، وحتى الفوتون المفرد يقوم بهذا التناوب في الحالة (تخيل أنك ظاهر وتتصرف كإنسان صلب حينما ينظر إليك صديق، لكن حينما يلتفت إليك ثانية ً تكون تحولت إلى غاز).

وعرف هذا بمبدأ عدم اليقين لـ لعالم الفيزياء فيرنر هايزنبرج الذي رأى أننا نؤثر في سلوك المادة الكمية، ولا يمكننا التأكد تماما من طبيعة الشئ الكمي ولا صفاته المميزة، مثل السرعة والموقع.

هذه الفكرة تم دعمها بتفسير كوبنهاغن لميكانيكا الكم، وهو التفسير طرحه الفيزيائي الدنماركى نيلز بور حين قال إن الجسيمات الكمية لا تتواجد على حالة واحدة معينة أو على حالة أخرى، لكن في كل هذه الحالات المحتملة في نفس الوقت.

لكن ما يقوله فرانك غريفل لا يمكن قبوله كدفاع علمي ـ عقلاني عن إلغاء الغزالي للسببية، لأن الأساس الإبستيمولوجي للطرفين مختلف تماما، فالفيزيائيون ينطلقون من مقومات العلم، في حين انطلق الغزالي من مقومات الدين والإيمان، وهذا فرق إبستيمولوجي كبير بغض النظر عن إمكانية تشابه النتائج.

كما أن النتائج التي توصل إليها علماء الفيزياء ناجمة عن ملاحظات علمية دقيقة، وليست ناجمة عن تصورات ميتافيزيقية ما فوق طبيعية.

ويذهب إلى ذلك أيضا جورج طرابيشي الذي حاول إضفاء عقلانية تاريخية على الغزالي بقوله إن فهمه للسببية يتناسب وروح العصر الوسيط، وأنه، أي الغزالي لم يرفض فكرة السببية من حيث هي اتصال ضروري بين العلة والمعلول، بل رفض فقط التفسير الطبيعي لهذه السببية.

لكن هذا الرأي غير كاف ولا يشكل تفسيرا منقطيا عقلانيا لرأي الغزالي، لأن السؤال الذي يطرح نفسه، هل ثمة تفسير غير طبيعي للسببية في عالمنا؟ وهل يتطلب الأمر لإثبات القدرة الإلهية نفي السببية في الطبيعة؟

كان هدف الغزالي تأكيد القدرة الكلية لله، ومن وجهة نظره تبطل السببية في الطبيعة هذه القدرة الإلهية، كما تبطل المعجزات التي لا تتحقق إلا بتعليق الأسباب الطبيعية وجعلها كلها بقدرة الله.

وقد حاول تعليل المعجزات تعليلا طبيعيا، فإحياء الميت وقلب العصا ثعبانا أمر ممكن، لأن المادة قابلة لكل تحول، فالتراب يمكن أن يتحول إلى نبات والعكس صحيح.

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى