ثقافة وفنون

“نوبل”.. أو كيف نقيس الفجوة الأدبية مع العالم؟

 

فازت الشاعرة الأمريكية لويز غليك بنوبل للآداب- تويتر

مؤخرا، فازت الشاعرة الأمريكية لويز غليك بنوبل للآداب. من زاوية الثقافة العربية، نحن أمام وضعية إشكالية، حيث إن الفائزة بأرفع جائزة أدبية عالمية لم تصل من أعمالها إلى العربية إلا مختارات لا تغني ولا تسمن من جوع أدبي. أي دلالة لهذا الغياب؟ سؤال حمله موقع “عربي 21” إلى مثقفين عرب من فضاءات جغرافية وإبداعية متنوّعة.

شكري المبخوت (روائي تونسي)

ليست هذه هي المرّة الأولى التي يفوز فيها كاتب بنوبل للأدب، منذ نشأتها، دون أن تكون نصوصه مترجمة إلى العربيّة. ولا أظنّ أنّ الأمر مقتصر على الثقافة واللغة العربيّتين.

ولكن إذا ألقينا نظرة سريعة على إحصاءات ما يصدر باللغة العربيّة، وقارناها بما يصدر في الحواضر الثقافيّة العالميّة ولغاتها، بما في ذلك اللغات التي لا تحتلّ عالميّا ما تحتلّه اللّغة العربيّة من مراتب متقدّمة في عدد الناطقين بها، إذ هي الرابعة أو الخامسة، فإنّنا ربّما فهمنا بعض ما يحمله السؤال المطروح من ضمنيّات.

فمن البيّن أنّ ما يصدر عندنا نحن العرب مجتمعين قليل جدّا من ناحية الكمّ، وأقلّ منه ما يترجم إلى العربيّة في الأدب وغير الأدب. فضُعف الإنتاج بالعربيّة وضعف الترجمة إليها ووضعيّة الكتاب في العالم العربيّ مؤشّرات إذا درسناها وجدنا ربّما أدلّة إضافيّة على محدوديّة متابعة العرب للإبداع العالمي في مختلف المجالات.

وفي موضوع الشاعرة الأمريكيّة لويز غليك، الفائزة بنوبل هذه السنة، يعدّ وجود ترجمة واحدة لمختارات من شعرها صدرت منذ سنوات عديدة إنجازا. فلا نتوقّع أن تكون أعمالها الكاملة قد ترجمت من قبل، لأسباب عديدة. منها أنّ الناشرين لا يغامرون بترجمة أعمال الشعراء من العالم، خصوصا مع تراجع قرّاء الشعر لفائدة أجناس أدبيّة أخرى أبرزها الرواية. فترجمة الشعر تصبح مشروعا غير مربح تجاريّا.

لذلك لست أرى إشكالا استثنائيّا فيما حدث إذا أخذنا بعين الاعتبار وضعيّة الترجمة والإبداع والنشر في العالم العربيّ، وإذا سلّمنا بتنوّع الإبداع العالمي في جميع اللغات، سواء تلك التي نترجم منها مباشرة (كالإنكليزيّة والفرنسيّة والإسبانيّة)، أو تلك التي نترجم منها بقلّة أو بواسطة لغة وسيطة (كالصينيّة واليابانيّة والبرتغاليّة والإيطاليّة)، أو تلك التي لا نملك مختصّين في الترجمة منها وما أكثرها.

أمير داود (كاتب فلسطيني)

جائزة نوبل دائما ما تباغت القارئ العالمي بالأسماء غير المتداولة، وهذا يحسب لها، أنها لا تكرر الأسماء، ولا تعيد إنتاج المشهور منها.

لكن، من جهة ثقافتنا العربية، فلا تخفى ضمنها مشكلة سوق النشر والقراءة، وما يعانيه من ضعف، بحيث إنه لا يحدث فارقا في صناعة الرأي الثقافي العالمي، وهذه مشكلة كبيرة للأسف، لم نعد نؤثر في مجريات صناعة الفعل الثقافي؛ نظرا لمحدودية الإنتاج ومحدودية الاستهلاك الثقافي، وبالتالي من الطبيعي ألا يكون هناك أي تأثير للعالم العربي في هذه الجائزة وغيرها من الجوائز الكبيرة، بما ينطوي عليه ذلك من قصور ومحدودية.

وفي المجمل، حتى الفائزون في السنوات السابقة، لم تترجم أعمالهم قبل الجائزة، حيث إن حركة الترجمة تلاحق الأسماء الفائزة، لكن لا تلتقطها، وما جائزة نوبل للأدب 2020 إلا تأكيد لهذا الالتقاط، فما ترجم للويز غليك هي مجموعة قصائد منتقاة من مجموعة دواوين، ولم يترجم عمل كامل قبل فوزها إلى العربية.

سعيد بوخليط (باحث ومترجم مغربي)

فوز الشاعرة الأمريكية لويز غلوك بجائزة نوبل ينطوي بلا شك ضمنيا على مساءلة نقدية، قد تختلف مستويات حدتها، سواء ما تعلق بمصدر الجائزة ومختلف الحيثيات العالقة به، ثم اللغة العربية من جهة أخرى.

بالتأكيد، تعرضت دائما جائزة نوبل على مستوى روافد استحقاقاتها الخمس لانتقادات، يمكن عموما اختزال مختلف تفاصيلها الصغرى في ملاحظتين اثنتين:

هيمنة المركزية الأمريكية- الأوروبية، بحيث اقتصرت بالدرجة الأولى اهتمامات أعضاء لجنة نوبل على ما يعتمل داخل المراكز البحثية والمؤسسات العلمية للغرب، في حين غيب -بل أهمل- ذكاء باقي الحضارات الأخرى.

الحضور الضمني الخفي والمهموس لموجهات البوصلة المعيارية للأيديولوجي، بخصوص التوجه العام لاستنتاجات أعضاء لجنة نوبل، ما يؤثر سلفا على النقاء التام للابستيمي والصفاء المعرفي والعلمي وشفافية الشعري، مختزلا إياه تعسفا وظلما إلى دوامة الحسابات الضيقة جدا للسياسي.

ومنذ سنوات ليست بالقصيرة، أضيفت مؤاخذة ثالثة إلى السابقين المترسخين منذ عقود، تتمثل في كون الجائزة أصبحت تؤول بكيفية آلية إلى أسماء مغمورة وغير معروفة إعلاميا، الأمر الذي يشكل مفاجأة كبيرة للمتلقي، لاسيما المختص المتتبع، في حين أخفقت موعدها مع أسماء إبداعية راسخة، متداولة نصوصها وكتاباتها بكيفية معلومة لا لبس معها، يتم تجديد ترشيحها كل سنة، نظرا لرجحان فوزها بهذا التتويج العالمي المتميز، لكن دون جدوى، بحيث تفاجئنا أكاديمية ستوكهولم برأي مناقض تماما لمجرى التيار إن شئنا. راهنا، أتيح المجال واسعا لآراء صارت تجمع دون ترد، بأن جائزة نوبل فقدت ما تبقى لها من بعض ممكنات بريقها.

عموما، إنه سياق يقودنا صوب متاهة نقاش طويل وسجال لا ينتهي، ينصبّ على قضايا كبرى، من قبيل أسبقية المبدع أم الجائزة؟ أيهما يخلق الآخر؟ هل ظفر حقا جميع المؤسسين الرواد بالجائزة، على الأقل، بعد ترسخ تاريخ أدبيات التنافس حول نوبل؟ ما معنى مفهومي مغمور ومشهور؟ هل الشهرة فيصل حاسم؟ ما هي حدود بداية الإبداع وتراجع الدعاية؟ ثم ما الذي فوض لأعضاء أكاديمية ستوكهولم هذا الحق المطلق بخصوص تحديد المعايير الإبداعية القطعية؟ وما هي حقيقة المضامين السرية لمداولات أعضاء اللجنة؟.. إلخ.

كل هذا يقودنا على سؤالين فرعيين شائكين، يقتضيان بدورهما تأملا عميقا:

الإشارة إلى مفهوم مركزي، يمثل بؤرة تطوير نقاش موضوعي بخصوص علاقتنا نحن العرب، سواء بجائزة نوبل وغيرها، أقصد قضية الترجمة ومدى قدرتنا على إنتاج الأفكار وتصديرها نحو العالم قاطبة. فهل امتلكنا خلال يوم من الأيام مشروعا متينا بهذا الخصوص؛ يشكل بوابة لتعريف العالم بكل ما يكتب هنا؟ طبعا الجواب بالنفي. والأرقام الواردة في هذا الإطار مخجلة جدا، ويندرج أساسا أغلب ما يترجم ضمن نتائج علاقات شخصية، وسعي فردي لهذا المبدع أو ذاك.

هل تدافع الدول العربية إن امتلكت أصلا مؤسسات بزخم ونفوذ عن ترشيح أدبائها ومبدعيها الجديرين بهذا المقام؟ أيضا، الجواب بهذا الخصوص أكثر بداهة ووضوحا من سابقه، فالضعف والترهل العميقان اللذان ينخران دول المجموعة العربية المنتجة لأدب بهذه اللغة يجعل هاجسا من هذا النوع، بعيدا بمسافات ضوئية عن الأولويات المطروحة بالنسبة للمنظومة الرسمية، ما دامت قوة لغة وتسيدها العالمي من قوة أهلها على جميع المستويات.

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى