ثقافة وفنون

نجيب سرور.. ملك الهامش الأدبي في مصر

 

في تجربة نجيب سرور جانب مدهش يندر أن يتكرر عند مبدع آخر وهو اختلاط تاريخه السياسي الشخصي على الناس- تويتر

نجيب سرور مبدع إشكالي، فهو أولا متنوع الإنتاج الأدبي والنقدي، فقد عمل أستاذا في المعهد العالي للفنون المسرحية، وألّف وأخرج ومثّل في مسرحيات كثيرة، كما أنه كتب الشعر بالفصحى والعامية بالإضافة إلى المقالات النقدية.

لعل أشهر أعماله هي مسرحياته الذائعة مثل “ياسين وبهية” و”يا بهية وخبريني” و”منين أجيب ناس”. كما اعتبرت قصيدته الذائعة “الأميات” من علامات أدب الهجاء السياسي الموغل في استخدام لغة عنيفة خارجة عن معايير المجتمع، حتى إننا لا نجدها منشورة إلا على الهامش، بعيدا عن منابر الأدب الرسمية أو المعروفة.

وهذه التسمية “الأميات” تسمية مهذبة لأن التسمية الأصلية يصعب نشرها في أي منبر رسمي. حتى إن السلطات المصرية أدانت ابنه شهدي بتهمة بث مواد منافية للآداب حين نشر قصيدة أبيه على موقع أنشأه على الإنترنت سنة 2002.

بدا ذلك غريبا لأن القصيدة عبرت عن إحباط نجيب سرور من هزيمة 1967 ومن انهيار الحلم الناصري الذي سحر المصريين ثم اكتشفوا أن الواقع أصبح بالغ القتامة، ولم تكن موجهة ضد نظام مبارك تحديدا، وإن كانت صيحة عارمة ضد الظلم عامة.

لذلك، ظلت القصيدة حية في وجدان المصريين، وانتقلت خلال السبعينيات والثمانينيات بشكل خطي، وعبر شرائط الكاسيت، على الهامش دون أن تتبناها أية جهة نشر بأي شكل، ودون أن تصرح الدولة بتداولها ونشرها.

بهذا المعنى نستطيع أن نعتبر “سرور” ملكا للهامش الأدبي في مصر، فلا نكاد نجد مبدعا اقتحم هذه المساحة الهائلة من اللغة الخارجة على متن المجتمع المصري وآدابه العامة.

على أن في تجربة نجيب سرور جانبا مدهشا حقا، يندر أن يتكرر عند مبدع آخر في مثل شهرته، هذا الجانب هو اختلاط تاريخه السياسي الشخصي على الناس.

فعند كتابة اسمه على محرك البحث جوجل، نجد وابلا من المعلومات غير الموثقة عن اعتقاله وتعذيبه في عهد صلاح نصر، الذي كان جلاد عبد الناصر الأول وقتها، كما نجد أخبارا عن إدخاله مستشفى الأمراض العقلية قسرا بأمر الأجهزة الأمنية.. لكننا لا نجد توثيقا واحدا لأي من تلك المعلومات.

لم يذكر أحد أبدا، في حدود بحثي، متى اعتقل سرور ولا أين اعتقل، ولا طول مدة اعتقاله، كما لم أعثر على شهادة أحد من أقاربه أو معارفه يحكي عن معايشته أمرا كهذا، أو حتى عن إخبار سرور له بشيء من ذلك.

بل يبدو غريبا أن اثنين من أصدقائه، هما جلال الشرقاوي وإبراهيم عبد المجيد، حكيا ذكرياتهما معه وأكدا أنه لم يطأ أرض المعتقل لا في زمن عبد الناصر ولا غيره، كما لم يُمنع من الكتابة ولا الإخراج المسرحي، بدليل مسرحياته الشهيرة التي ألفها وأخرجها هو وغيره في الستينيات وما بعدها، وعلى مسارح الدولة الرسمية، التي شهدت نجاحه الجماهيري الكبير؛ وهو ما كان يستحيل حدوثه في حال قررت الأجهزة الأمنية تعقبه أو اضطهاده.

أما ما شهد به صديقاه، وأراه مفتاحا مهما لفهم عالمه فهو هواجسه الغريبة الكثيرة عن وجود أجهزة تترصده وتراقبه.

يبدو سرور مبدعا مفرط الحساسية والرهافة. ويبدو أن عالمه لم يرحمه. فقصيدته الأولى الشهيرة “الحذاء” كتبها عن تعرض والده لإهانة مروعة من عمدة قريتهم، الذي كان يمثل الإقطاعيين فلم يرحم الفلاحين الفقراء، واستدعى والده ليهينه.

يسرد سرور في قصيدته كيف سيطر عليه، وهو الطفل الريفي البسيط، الفخر لأن العمدة استدعى والده شخصيا، فذهب معه ليشهد ترحيب العمدة، الذي ضرب والده بالحذاء أمامه!

كتب سرور قصيدته تلك سنة 1956، وهو من مواليد سنة 1932. ومع أنه كان في الرابعة والعشرين يومئذ، ففي قصيدته سلاسة لفظية واقتدار لافت على معالجة القوافي والتعبير البسيط عن المعنى في نسق تفعيلي كان يعد وقتها حداثيا بامتياز. يقول سرور منحازا لآلام الفقراء والمهمشين:

“وذاك المساء

أتانـا الخفيـر ونادى أبي

بأمر الإله !.. ولبى أبي

وأبهجني أن يقـال الإله

تنـازل حتى ليدعـو أبي !

تبعت خطاه بخطو الأوز

فخورًا أتيه من الكبرياء

أليس كليم الإله أبي

كموسى.. وإن لم يجئه الخفـير

وإن لم يكن مثـله بالنبي

وما الفرق ؟.. لا فرق عند الصبي !

وبينا أسير وألقى الصغار أقول “اسمعوا..

أبي يا عيـال دعـاه الإله!”

وتنطـق أعينهم بالحسـد..”.

يتهكم على العمدة واصفا إياه بالإله الذي لا يُعصى، ثم يسرد مشهد ضرب أبيه بالحذاء أمامه، وصدمته الرهيبة بعد فخره بذهاب أبيه إلى قصر العمدة.

منذ ذلك الوقت، اختار الفتى المرهف طريقه الصعب: الانحياز إلى طبقته: الفلاحين والفقراء. بالطبع نشأ فقيرا في قرية إخطاب التابعة لمحافظة الدقهلية، وعاين الظلم الفادح على كواهل الفلاحين.

لذلك التحق بكلية الحقوق بالقاهرة ليدافع عنهم، لكن الفن سحره فغير مساره إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، الذي تخرج فيه معيدا ثم أستاذا، وشهد توهجه في عالم المسرح.

ويبدو أنه كان على موعد دائم مع قسوة الحياة على روحه المرهفة. فبعد تخرجه انضم إلى حركة حدتو الشيوعية سرا، ثم سافر إلى روسيا في منحة لدراسة الإخراج المسرحي سنة 1958، وهناك وقع في مأزق كبير، فقد كان الشيوعيون هناك ينظرون إليه بعين الشك لأنه اختير للمنحة التي يقدمها النظام الناصري الذي يسجن الماركسيين، بينما كان زملاؤه المبتعثون يرسلون التقارير عنه كما عن غيره، فتوهم منذ تلك اللحظة، بحسب شهادات أصدقائه، بأنه مطارد مرصود، وعجز تماما عن التكيف مع ذلك العالم القاسي.

ربما يمكننا تفسير أزمته مع الهواجس من هنا؛ من عجز روحه الهشة عن تحمل صدمات مثل تلك. ويمكننا تخيل مدى معاناته إذا عرفنا أن تلك الهواجس طاردته طوال حياته.

يحكي جلال الشرقاوي ذكرياته معه في تلك الفترة، فقد سافر الشرقاوي بتكليف من نظام عبد الناصر إلى روسيا سنة 1959 لإنهاء الأمور المعلقة بشأن سفر الطلاب المصريين المبتعثين إلى روسيا بعد إلغاء منحهم بسبب خلاف عبد الناصر مع روسيا، لكن سرور ظل مقتنعا بأنها مؤامرة لاستدراجه إلى مصر لاعتقاله، مع أن المبتعثين المصريين غادروا روسيا جميعا، لكنه اختار البقاء ثم ضاقت به الدنيا فرحل إلى المجر، ولم يتحمل الحياة هناك طويلا فعاد إلى مصر سنة 1964، ليكتب أهم مسرحياته.

في مسرحيته الشهيرة “منين أجيب ناس”، يبرع سرور في استلهام الفلكلور المصري، تحديدا قصة حسن ونعيمة وهي قصة حب معروفة بين مغنٍ وفتاة في صعيد مصر، تنتهي نهاية مأساوية: يُقتل حسن وتُلقى جثته في النيل، فتسعى نعيمة للبحث عن جثته، وفق رؤية مركبة يضفر سرور عبرها الأسطورة الفرعونية الشهيرة عن إيزيس وأوزوريس، التي تبحث في النيل عن جثة زوجها الحبيب لإنقاذه من الموت.

هكذا يمكن أن ترمز نعيمة إلى مصر، بينما يمكننا أن نرى في حسن بطلها القومي الذي يحرض الجماهير على الظلم بأغانيه.

وعلى نحو رمزي أيضا، يمكن اعتبار قتل حسن قتلا للروح الوطنية المقاوِمة لشرائح السلطة المتسلطة على رقاب أهل البلد المظلومين، كما نجد في نعيمة رمزا لمصر التي ترفض الاستسلام، وتبحث عن أشلاء حسن لتنقذه من الموت، بينما تتفاعل مع طبقات الشعب المتنوعة ما بين عمال وفلاحين وصيادين.

بذلك تمثل تلك المسرحية رؤية سرور ذي الفكر الماركسي، الذي رأى في الأدب آنذاك ساحة للصراع الطبقي، ينحاز فيها المبدع لهموم طبقات شعبه الكادحة، لكن مسرح سرور، وإن بدا تأثير الأيديولوجيا قويا فيه، استطاع الإفلات من رتابة الطرح السياسي الجاف والعقيم، بفضل موهبة سرور الباسقة وثقافته الموسوعية التي أسعفته بالكثير من الإسقاطات السياسية غير المباشرة.

ولعل من عجائب حياته المؤلمة، التي انتهت في الرابع والعشرين من أكتوبر سنة 1978، أن تتحقق هواجسه بعد موته، لكن مع ابنه شهدي، الذي اختار اسمه تيمنا باسم الشهيد شهدي عطية، شهيد معتقلات عبد الناصر، فقد مات شهدي بالسرطان، غريبا في الهند بعد هروبه من مصر بسبب قصيدة والده، ليصبح هو الملاحق الحقيقي بدلا من أبيه!

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى