ثقافة وفنون

نجوم الأدوار الثانوية والالتزام بقانون رقعة الشطرنج

نجوم الأدوار الثانوية تجعل الكثير يطلق أحكامًا بأن هؤلاء الأشخاص ظلمتهم السينما المصرية- أرشيفية

ضياء الميرغني، وحسين أبو حجاج، ومحمد شومان، ومحمد شرف، ومصطفى هريدي، وعلي الشريف، وبدرية طلبة، ورضا حامد، وفؤاد خليل، وسليمان عيد؛ كل هذه أسماء لفنانين في السينما المصرية قد يمر عليها القارئ مرور الكرام حينما يقرأها لكنه سيتفاجأ بأنه يعرف أصحابها فيما لو رأى صورهم مرفقة مع الأسماء.

بل إن الصدمة ستكون حينما يكتشف أنه يعشق هؤلاء الفنانين ويكرر الأفيهات التي يصنعونها في أحاديثه اليومية، فمن منّا لا يكرر أفيه ضياء الميرغني وهو يلعب دور الإرهابي في فيلم “السفارة في العمارة” مخاطبا عادل إمام: (انته مكانك مش هنا)؟ ومن منّا لا يكرر قصيدة الحلزونة التي ألقاها الميرغني في فيلم (مرجان أحمد مرجان) وهو يردد: (الحلزونة  والحلزون تقابلوا في خرم الأوزون…)؟

فنحن قد لا نحفظ اسم حسين أبو حجاج ولا نستطيع أن نربط بين الاسم وصاحبه، ولكننا نعرف صورة الفنّان الذي استطاع أن يحوّل مرضًا نادرًا -وهو مرض الضخامة والتعملق- إلى قصة عشق كوميدية تربطه بجمهوره العريض في الوطن العربي من خلال مشاهد قصيرة قد لا تتجاوز الدقيقة الواحدة في كل الفيلم مثل المشهد الذي أدى فيه شخصية المعلم بدير في فيلم “بنك الحظ” أو نصف الدقيقة كما في فيلم “جعلتني مجرمًا” لأحمد حلمي.

وقلة منّا تحفظ اسم سليمان عيد لكننا مجرد أن نراه في أي فيلم حتى يكون وجوده سببًا في متابعة الفيلم حتى لو كان رديئًا؛ فهو صاحب حضور طاغٍ قادر بابتسامته العريضة وصلعته السمراء وحسه الكوميدي العالي على انتزاع الابتسامة من جمهوره بتلقائية بسيطة في كل الأدوار الثانوية التي أداها.

هذا الصنف من الفنانين يقترن في أذهاننا بصنف آخر من النجوم يتمثّل في الفنانين الذين أسندت إليهم أدوار البطولة الثانوية مثل الفنان الراحل حسن حسني وإدوارد وسعيد صالح وبيومي فؤاد، وهؤلاء أكثر حظًا من الصنف الأول و أكثر مقدرة على منح السعادة للجمهور على فترات زمنية طويلة نسبة إلى مدة الفيلم. كما أنّ أداء الأبطال الرئيسيين سيكون باهتًا دون وجودهم في الفيلم، فهم أصحاب المهمة التي يتعارف عليها في الوسط الفني تحت اسم “السنّيد”؛ فنحن لا نتخيّل فيلم عادل إمام “سلام يا صاحبي” دون وجود سعيد صالح الذي يسند صاحبه على طول الفيلم ويجعلنا نتقبّل فانتازيا القوة الخارقة للصاحبين.

مثلما لا نستطيع أن نتخيل الكثير من الأفلام الكوميدية الحديثة دون وجود حسن حسني الذي يسندها ويأخذها إلى بوابة النجاح كما فعل في فيلم “زكي شان” على سبيل المثال لا الحصر.

إن هذه المحبة التي نكنها لهذه الكوكبة من نجوم الأدوار الثانوية تجعل الكثير منّا يطلق أحكامًا بأن هؤلاء الأشخاص ظلمتهم السينما المصرية والقائمون عليها بالاكتفاء بمنحهم أدوارًا صغيرة في كل الأفلام التي شاركوا فيها. غير أنّ هذا الحكم يحتاج إلى تروٍ ومراجعة في كثير من الأحيان؛ فلو أخذنا شخصية أي فنّان من أصحاب الأدوار القصيرة وحاولنا تصور ما يمكن أن تقدمه لو أسندت إليها دور البطولة في أحد الأفلام، فسنجد غالبًا أنّ الفنّان يكرر الإفيهات نفسها في الأدوار التي يقوم بها، غير أنّ قصر هذه الأدوار يجعل هذا التكرار مقبولاً بل مستساغًا ومطلوبا من الجماهير. ولكن ماذا سيحدث لو طال هذا التكرار وأصبح جوهريًا على مدار الفيلم؟

يكاد الفنّان رضا حامد -على سبيل المثال- يكرر دورًا واحدًا في كل الأفلام التي يشارك فيها، مثل دوره في فيلم “حبيبي نائمًا”، إذ يقوم بالحديث بطريقة سريالية قاطعًا الكلام بضحكات هستيرية دون أن يفهم المشاهد شيئًا من كلامه، الأمر الذي ينقل هستيريا الضحك إلى المشاهد بشكل تلقائي، غير أن إسناد دور البطولة إليه سيجعل الفيلم مملاً والتكرار مرفوضًا.

مثل هذا الأمر حدث مع الفنّان الكوميدي سامح حسين الذي كان يبدع في أداء الأدوار الصغيرة، مثل دوره في فيلم “الدادة دودي”، لكنه قدم لنا مجموعة من الأفلام الكوميدية المحملة بالملل حينما أُسندت إليه البطولة المطلقة مثلما يحصل للمشاهد حينما يتورّط في متابعة  فيلمه “كلبي دليلي” أو “الرجل الأخطر”.

الأمر نفسه حدث مع سعيد صالح ويونس شلبي؛ فالأول أبدع في أداء أدوار البطولة المشتركة وحقق نجاحًا باهرًا في أغلب الأفلام والمسرحيات التي شارك بها، وفي المقابل فإن تفرده بالبطولة رافقه فشل جماهيري لا مثيل له. أمّا شلبي فإن قيامه بدور البطولة رافقه فشل ذريع على مدار مسيرته الفنية ولم يكن ليغفره له سوى دوره في مسرحيتي “مدرسة المشاغبين” و”العيال كبرت”.

لقد كان الفنّان حسن حسني محظوظًا لأنّ أحد المنتجين أو المخرجين لم يفكر بمنحة دور البطولة المطلقة، فلا أحد يتصوّر ماذا سيقدم لنا داخل الفيلم، بينما كان الدور الثانوي الذي كان يقدمه طوال حياته أهم بكثير من هذه البطولة التي كانت ستحجز لها موعدًا مع الفشل. لقد كان هذا الفنّان العرّابَ أو الجسرَ الذي عبرَ من خلاله الكثير من الفنانين الشباب إلى سماء الشهرة والنجومية مثل أحمد حلمي ومحمد سعد ومحمد هنيدي ورامز جلال… والقائمة تطول.

إن وجود هؤلاء الفنانين في هذه الأفلام ضمن الأدوار التي رُسمت لهم، يشبه وجود الجنود في لعبة الشطرنج؛ فالجندي ضروري لإكمال اللعبة لكنه لا يستطيع أن يقوم بدور الملك. وفي السينما يحتاج هذا الجندي أن يقدم الكثير كي يثبت أنه يستحق أن يقوم بدور الملك/ البطل، وصحيح أن كثير من الفنانين استطاعوا أن يعبروا بنجاح من مرحلة الأدوار الثانوية إلى البطولة المطلقة، غير أنهم  قدموا الكثير حتى وصلوا إلى القمة وأثبتوا أنهم يمتلكون الموهبة والثقافة والخبرة، الأمر الذي كفل لهم بقاءهم متربعين على عرشها.

الأكثر قراءة

الفيديو الأكثر مشاهدة

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى