ثقافة وفنون

نازك الملائكة وشياطين الشعر..

منذ سنة 1760م، ظلت أسرة نازك الملائكة معروفة بلقبها “الجلبي”، بعد فرمان سلطاني صدر بمنحها هذا الاسم.

ثم شاء الشاعر عبد الباقي العمري أن يشبّه الأسرة بالملائكة إعجابا بهدوئهم وسكينتهم، فاتخذتْ الأسرة وصفَه لقبا لها.

لكنّ طفلة رُزِقتْ بها تلك الأسرة اختارت أن تكون “شيطانة” جميلة من شياطين الشعر؛ تثور وتتمرد على عمود الشعر العربي الراسخ، وتنازع الشعراء الكبار، وهي الفتاة الشابة، في زعامة الشعر العربي، وتتحدى القصيدة – النموذج، التي ألفها الشعراء العرب ونسجوا على منوالها. وما أجملها من شيطانة!

ولدت نازك الملائكة في 23 آب/أغسطس 1923. وسمّاها والدها “نازك” تيمُّنًا بنازك العابد الثائرة التي حاربت جيش الاحتلال الفرنسي في سوريا عام 1923.

كان والدها شاعرًا ومدرسًا للغة العربية ومثقفا موسوعيا، فشجع طفلته على القراءة. أيضا كانت أمها شاعرة، تنشر قصائدها باسم مستعار، فقد كان سلطان التقاليد غاشما.

تخرجت من دار المعلمين العالية سنة 1944. ثم درست العزف على العود في معهد الفنون الجميلة، وحصلت على درجة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة وسكونسن بالولايات المتحدة سنة 1959. وأجادت اللغات الإنجليزية والفرنسية واللاتينية.

وكما مر بنا، تضافرت عوامل متنوعة في تكوينها الفني، من دراسة متخصصة للأدب والنحو العربيين، إلى إجادة اللغات الأجنبية والاطلاع المباشر على منجز الشعراء الإنجليز، حتى إنها حكت عن مشاركتها في ندوات شعرية أقامها شاعر وصحفي بريطاني معروف هو ديزموند ستيوارت، وهو من الكُتاب الذين قدموا الأدب العربي وترجموه للقراء الناطقين بالإنجليزية. وقد قدمها لجمهور الحاضرين فألقت دراسة قارنت فيها بين قصيدة لشيكسبير وأخرى لشيلي.

فإذا أضفنا لذلك ما حكته بنفسها عن تأثرها بالفلاسفة الغربيين، خاصة شوبنهاور، وما حكته أيضا عن شغفها بالعزف على عودها والغناء ليلا بين أشجار حديقة منزلهم، أدركنا كم كان نبعها الشعري ثريا، عميق التأثر بثقافات وفنون شتى، قلّ أن تجتمع لشاعر عربي شاب في ذلك الزمن.

يمكننا أن نتصور أيضا كيف استطاعت هذه الشابة الواثقة بنفسها تحدي عمود الشعر العربي الذي طالما قدّسه الشعراء العرب، مرتكنةً إلى حسها الشعري المبني على معرفة وثقافة عميقة متنوعة.

في سنة 1947، فتكت الكوليرا بالشعب المصري، فحزنت نازك وأرادت التعبير عن حزنها بقصيدة عمودية، لكنها شعرت أن نظام العروض التقليدي يقيد تعبيرها عن حزنها، فكتبت أولى قصائدها التفعيلية متحررة من نظام العروض العربي، وشعرت منذ بدايتها أنها تستوعب حزنها ومشاعرها بسبب البراح الذي أتاحه التحرر من عمود الشعر القديم.

مع ذلك، إذا ألقينا نظرة نقدية على قصيدتها الشهيرة “الكوليرا”، فقد نلاحظ أنها في تلك المرحلة لم تتحرر تماما من سطوة المفهوم العربي الكلاسيكي للشعر.

نعم، لقد كسرت عمود الشعر باختيار التفعيلة وحدة لبناء الإيقاع الشعري، مع التحرر من الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات في كل سطر، كما نوّعت في القافية أيضا، لكنني ألاحظ بعض تأثرٍ بالمفهوم العربي الكلاسيكي، على أكثر من مستوى. تقول نازك:

سكَن الليلُ

أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ

في عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ، على الأمواتْ

صَرخَاتٌ تعلو، تضطربُ

حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ

يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ

لم تفلت نازك من تقنية شعرية عربية قديمة، يعمد فيها الشاعر إلى مخاطبة مستمع افتراضي، وأحيانا مستمعيْن اثنين، على نسق معلقة امرئ القيس الشهيرة: “قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل”.

في الشعر الحديث، تخلص الشعراء من ذلك المستمع لأنه لا يضيف شيئا للقصيدة، بل لعله يثقل عليها. قد تقرأ القصيدة قارئة. وفي الأحوال كلها، ما الداعي لوجود مخاطب مجهول؟

ولئن راوحت الشاعرة بين قافية الباء المضمومة، التي هي حرف يخرج من انطباق الشفتين، حيث تنساب الضمة ممتدة مثل صيحة باكية، يقابلها همس التاء الساكنة المكتومة، وهذا اختيار صوتي موفق للتعبير عن حزنها، لكنها، مع ذلك، ظلت أسيرة للموسيقى الشعرية الكلاسيكية، القريبة من القالب الموسيقي للموشح الأندلسي.

ونحن نعلم أن الانعتاق من القوالب الإيقاعية الراسخة يحدث تدريجا، حتى تتهيأ الأذن العربية لاستقبال الإيقاع الجديد المتحرر. لذا، لا يمكن التقليل مما أبدعتْه نازك في الاتكاء على قالب وثيق الصلة بتراثنا الشعري، فهي هنا رائدة، لا ننتظر منها الرسوخ في الحداثة الشعرية التي استوعبتها أجيال الشعراء اللاحقين. تقول أيضا:

في كل فؤادٍ غليانُ

في الكوخِ الساكنِ أحزانُ

في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ

في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ

هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ

في حكاية ذكرياتها عن تلك القصيدة، ذكرت نازك أن أباها سخر من تكرار كلمة الموت في هذا المقطع. ومع أنه انطلق من مرتكز تقليدي لفهم الشعر، لكن اعتراضه قد لا يخلو من وجاهة.

فالتعبير عن هول الموت بتكرار كلمته ينحو بالقصيدة نحو الصراخ والمباشرة. وتلك الأخيرة تحديدا تبدو سمة عامة في القصيدة، وربما في شعر تلك المرحلة من إبداع نازك.

ولا نريد أن نطبق عليها مقاييسنا الحديثة في الحكم على الشعر، كما لا يمكننا أن ننتظر منها شعرا حداثيا حافلا بالصور المدهشة والمجازات الطازجة، مما لم تألفه القصيدة العربية إلا على يد المجددين التالين لها مثل نزار قباني وأحمد عبد المعطي حجازي، ثم الماغوط ودرويش في حساسية شعرية أشد إيغالا في عالم الحداثة..

طَلَع الفجرُ

أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ

في صمتِ الفجْر، أصِخْ، انظُرْ ركبَ الباكين

عشرةُ أمواتٍ، عشرونا

لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا

اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين

مَوْتَى، مَوْتَى، ضاعَ العددُ

مَوْتَى، موتَى، لم يَبْقَ غَدُ

في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ

ربما لم توفق في اختيار كلمة عشرونا التي أثقلت القافية لأن الأسماع لم تألفها منونة في العربية، لكنها جرأة البدايات على كل ما هو راسخ.

ويبدو لي أيضا أن الشاعرة افتقدت النسق الموسيقي التقليدي من حيث أرادت التمرد عليه، فسعت إلى تعويضه بأنساق إيقاعية داخلية، مثل توالي أفعال الأمر: “أصغ، أصخ، أنظر، اسمع”، وعادت إلى تكرار لفظ بعينه مثلما صنعت في المقطع السابق، فهنا كررت كلمة “موتى”، كأنها تمهد السبيل الجديد للأذن العربية حتى تتقبل اطراح العروض الخليلي التقليدي.

ولذلك، كررت كلمة الموت في المقطع التالي أيضا:

لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ

هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ

الكوليرا

في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ

في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ

استيقظَ داءُ الكوليرا

حقْدًا يتدفّقُ موْتورا

هبطَ الوادي المرِحَ الوُضّاءْ

لقد كان الشعر العربي التقليدي وقتها يتسم بالمباشرة، كما لم يكن ملتفتا إلى إمكانات المجاز التي اجترحها الشعراء الغربيون، فكان كثير من شعر الشعراء الكلاسيكيين خاليا من التصوير الجريء والمجاز المدهش، لكن الصياغة الكلاسيكية وموسيقى العروض الخليلي كانت أحيانا كثيرة عبئا على النص، الذي قد يتحول إلى كلام موزون مقفى فحسب.

لذلك لا يمكننا الآن أن نحاسب نازك وشعراء جيلها وفق مقاييسنا الحديثة، بل يُحسَب لهم أنهم حرروا القصيدة العربية من قيود الصياغة القديمة ونظام العروض الصارم، فجعلوها أقرب إلى نبض الحياة المعاصرة، وأقوى تعبيرا عن هموم الشعوب المتطلعة للتحرر والانطلاق.

ومضيّاً على دربها الثائر المتحدي، نشرت نازك ديوانها الثاني “شظايا ورماد” سنة 1949 وصدّرتْه بمقدمة نقدية تؤصّل لرؤيتها الفنية لموسيقى القصيدة التفعيلية، فكانت بذلك من الشعراء الرواد القليلين، الذين لم يكتفوا بإبداع نسق مغاير من الشعر بل سعوا إلى التنظير له وتأصيله نقديا.

ومما يؤكد تأثر رؤيتها للتجديد الشعري بالمنجز الحداثي للكتّاب الغربيين أنها استهلت مقدمتها النقدية بعبارة برناردشو: “اللاقاعدة هي القاعدة الذهبية”، معتبرةً أن الشعر تنطبق عليه تلك العبارة فهو “وليد أحداث الحياة، وليس للحياة قاعدة معينة تتبعها في ترتيب أحداثها، ولا نماذج معينة للألوان التي تتلون بها أشياؤها وأحاسيسها”.

بالطبع اشتعل جدل طويل حول ريادة القصيدة التفعيلية، هل هي لنازك أم لبدر شاكر السياب، الذي نشر قصيدته التفعيلية “هل كان حبا؟” سنة 1946، أي قبل قصيدة الكوليرا بسنة كاملة. لكن نازك اعترفت لاحقا في كتابها المؤسِّس “قضايا الشعر العربي المعاصر” أنها حاولت كتابة الشعر الحر منذ سنة 1932.

نظمت قصيدتها “غسلاً للعار”، حيث أدانت القتل غسلا للشرف، واصفة الرجل القاتل بالجزار والجلاد الوحشي:

“أمّاهُ”، وحشرجة ودموع وسوادُ

وانبجس الدمُ واختلج الجسم المطعون

والشعر المتموّجُ عشّش فيه الطين

“أمّاهُ”… ولم يسمعها إلا الجلادُ

وغدا سيجيء الفجرُ وتصحو الأورادُ

والعشرون تنادي والأملُ المفتونْ

فتجيبُ المرجةُ والأزهارْ

رحلت عنّا غسلا للعار

ويعود الجلادُ الوحشيّ ويلقى الناسْ

“العارُ”، ويمسحُ مديته، “مزّقنا العارْ

ورجعنا فضلاء بيض السمعة أحرارْ

يا ربّ الحانةِ أين الخمر وأين الكاسْ

نادِ الغانية الكسلى العاطرة الأنفاسْ..”

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى