ثقافة وفنونعالم الصحة الجسدية و النفسية

من أغاني ذكرى الهجرة النبوية

 

كما يميل التدقيق التاريخي
إلى اعتبار السَّنة الحقيقية لميلاد المسيح عليه السلام هي الرابعة قبل الميلاد – في
مفارقةٍ يعود تفسيرُها ببساطة إلى أنّ التأريخ دائمًا تالٍ للحَدَث المؤرَّخ به، ما
يسمح بقدرٍ متفاوتٍ من الارتباك – فكذلك تخبرنا المدوّنات التاريخية الإسلامية بأنّ
النبي صلى الله عليه وسلّم وصاحبَه أبا بكرٍ قد غادرا غار ثَورٍ الذي اختبآ فيه خلال
هجرتهما من مكة إلى المدينة في شهر ربيع الأول، ووصلا إلى يثرب (المدينة) خلال نفس
الشهر.

لكننا لا نجد اختلافًا كثيرًا بين مَن تعرّضوا لتفسير إرجاع بداية السنة الهجرية
إلى شهر المحرّم، فأظهَر الأقوال أنّ اختيارَه قد جاء لموافقتِه مُنصَرَفَ الحجيج من
مكة، وهو التوقيت الذي كان الخلفاء – ابتداءً بعمر بن الخطّاب رضي الله عنه – يحاسبون
فيه الوُلاة بشكلٍ دَوريّ، فهو أنسب الشهور عمليًّا لابتداء سنةٍ جديدةٍ في التقويم
الجديد للدولة الوليدة آنذاك.

وخروجًا إلى موضوع مقالنا،
لا يبدو أنّ حَدَث الهجرة قد شغلَ حيِّزًا كبيرًا من تفكير المشتغلين بصناعة الأغنية،
حتى داخل إطار الأغاني الدينية الإسلامية، فجاءت معظم الأغاني المشهورة الناجحة التي
تتغنى بالهجرة ضمن أعمال سينمائية دينية. وسوف نتناول من هذه الأغاني اثنتين فقط في
هذا المقال، مشاركةً في الاحتفال ببداية عام هجري جديد وتذكُّرًا لأحد الأحدَاث المركزيّة
في السيرة النبوية.

إلى رحابِ يَثربِ:

أبدعَ كلمات أغنية ختام فِيلم (فجر الإسلام)
– من قصة وسيناريو عبد الحميد جودة السحّار وإخراج صلاح أبو سيف وإنتاج عام 1971- الشاعر
الراحل عبد الفتاح مصطفى (1924 – 1984)، ولحّنها الموسيقار الكبير فؤاد الظاهري
(1916 – 1988).

جاء مذهب الأغنية في بحر الرَّجَز “إلى رحاب يَثربِ/ إلى ضياء
الكَوكَبِ/ إلى الزكيِّ الطيِّبِ/ إلى النبي …. إلى النبي”، وهو اختيارٌ عَروضيٌّ
واعٍ من الشاعر، حيثُ يتجاوب وما نقرأُه في كتُب السِّيرة من أناشيد تغنّى بها الصحابةُ
وبينهم النبي في مواقفَ عديدة، كتلك الأرجوزة القصيرة التي ألّفَها عبد الله بن رواحة
ورددها المسلمون يوم حفر الخندق (في السنة الخامسة للهجرة): “واللهِ لَوْلَا أاللهُ
مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا،
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا، والمُشرِكونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، وَإِنْ
أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا”.

والرَّجَز كذلك يتمتع بإيقاعٍ انفجاريٍّ تكثر
فيه زحافات التفعيلات، وآيةُ ذلك في مذهب هذه الأغنية وغُصنَيها الأوَّلَين المَصوغَين
أيضًا في بحر الرَّجَز أننا نجِد كل هذه التفعيلات “مستفعلُن – مُتَفعِلُن – مُفتَعِلُنْ
– مَفعولُنْ – فَعُولُنْ)، وهذا الإيقاع يبدو مناسبًا للإنشاد الحماسيّ كما في حفر
الخندق أو الهجرة.

وقد أنطقَ الشاعرُ كلماتِه برُوح الفِداء وإنزال الدِّين المنزلةَ
الأعلى بين أولويّات المسلمين الأوائل مصداقًا للآية الرابعة والعشرين من سورة التوبة
“قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة
تخشون كسادها ومساكن ترضونه أحب إليكم من اللّه ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى
يأتي اللّه بأمره واللّه لا يهدي القوم الفاسقين”، فقال في الغصن الثاني من النشيد
“نَفِرُّ بالرُّوحِ من الضَّلالِ/ وغيرَ وجهِ الحقِّ لا نُبالي/ فهوِّنوا لله
كلَّ غالي/ مِن جِيرةٍ وصُحبةٍ وآلِ”. ابتداءً من الغصن الثالث، ينتقل (عبد الفتاح
مصطفى) إلى بحر الرَّمَل بإيقاعه الهادئ

“ربَّنا أنتَ الأحَد/ باسمك الجَمعُ اتَّحَدْ/ وعدُك الحَقُّ وهذا
يومُنا والجِدُّ جَدّْ/ سنرى الفجرَ القريبْ/ مِن دُجَى اللَّيلِ العصيبْ/ وبأيدينا
سنرمي ويَدُ اللهِ تُصِيبْ/ هذه الأُمَّةُ قُوَّةْ/ مِن صفاءٍ وأُخُوَّةْ/ إن تحدّاها
عدُوٌّ/ راحَ في أظلَمِ هُوَّةْ/ كلُّنا يبغي شهادةْ/ في يقينٍ وإرادةْ/ نحنُ نمضي
للسعادة/ انتصاراً أو شهادةْ.”

والانتقال العَروضيّ هنا أيضًا يبدو واعيًا، حيث
يُحمِّلُه شاعرُنا مضمونًا يمزِج الحِسَّ الصوفيّ (بما يفترضُه من هدوءٍ متأمِّلٍ يناسبُه
إيقاعُ الرَّمَل) بالحِسّ الإنسانيِّ الاشتراكيّ، ولعلّه في ذلك متأثِّرٌ بقُرب العهد
بالمدّ الاشتراكيّ في الحِقبة الناصريّة، وعلى كُلّ حالٍ فإنّ ضفيرةَ الأُخُوّة الإنسانيّة
والاشتراكيّة بمعناها الواسع كانت مكوِّنًا مهمًّا في دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلّم.

أمّا لحنُ فؤاد الظاهري
فقد جاء أحاديّ الإيقاع، حيث اختار إيقاع (أيُّوب) المرتبط في الوعي الجمعي المصريّ
والعربي بحلقات الذِّكر كما يرتبط بحفلات الزّار، وبذلك أسَّسَ لجوٍّ نفسيٍّ تتضافر
فيه الصوفيّة والاشتراكيّة – الموجودة في كلٍّ من حلقات الذكر والزار بتلاصق أكتاف
الرِّجال وتمايُلِهم على نفس الوتيرة – متجاوبًا مع ما تنطق به الكلمات.

أمّا المقام فهو الراست من البداية. تفتتح الوتريات
العزف ويرُدّ عليها الناي ردًّا قصيرًا مرددًا الجملة الافتتاحية، ثم يظل الناي مع
الوتريات في فواصل وخلفيّة غناء الكورَس.

يغني كورَس الرجال الغصنين الأوَّلَين من
الأغنية منفردًا، ويشترك كورَس السيّدات في المذهب، كما لو كان (الظاهري) يوافق ترتيب
صفوف الرجال والسيدات في الصلاة. يشترك الجنسان في غصن “ربنا أنت الأحد.. إلى:
والجِدُّ جَدّ.”، ثم ينفرد الرجال بسطور: “سنرى الفجرَ القريبْ. إلى: وبأيدينا
سنَرمي ويَدُ الله تُصِيبْ”، وهو توزيعٌ شديد الذكاء والحساسية من (فؤاد الظاهري)
العظيم، فالجنسان مشتركان في الاحتفال بروحانيّة الدِّين وتمجيد الله، أمّا الرَّميُ
باعتبارِه مَتنَ الحرب فهو دور الرِّجال حصريّا. ويستمر انفراد الرجال إلى قولهم
“انتصارًا أو شهادة” تأكيدًا لهذا المعنى الذي أراده الظاهري. ويصل اللحن
إلى نهايته بتوافُق جملة موسيقية يغنيها الرجال “هذه الأمّةُ قوّة.. إلى: راحَ
في أَظلَمٍ هُوَّة”، مع غناء السيدات للمذهب، ما يَخلُقُ أثَرًا موسيقيًّا شديد
الفَرادة هنا كأننا إزاء كُنترابُنط شرقيّ، نستمع فيه إلى لحنين مُغَنَّيَين معًا في
ثَراءٍ يَندُرُ أن نُصادِفَه في لحنٍ دينيّ.

طَلَعَ البَدرُ علينا:

الرُّواةُ بين أمرَين، أشهرُهما أنّ الأبيات
الشهيرة “طلع البدرُ علينا.. إلى: مرحبًا يا خَيرَ داعْ” تغنى بها نساء وولدان
الأنصار مَقدَمَ النبيِّ مهاجرًا من مكة، والأمر الثاني أنّها قِيلَت في عودته من غزوةِ
تَبُوك، وبهذا أخذ ابنُ القَيِّم في زاد المَعاد، استنادًا إلى قراءته للموقع الجغرافي
لثنيّة الوداع على حدود يثرب.

وعلى كُلّ حالٍ، فقد ظلّت الأبياتُ حيّةً بحياة
الأدبيات الإسلامية التي تناولَت حدثَ الهجرة المُبارَك، واستغلّها كثيرٌ من الموسيقيين،
ولعلّ أبرز استغلالٍ لها جاء في فِلم (الشيماء) من قصّة الأديب الكبير علي أحمد باكثير،
وسيناريو وحوار صبري موسى وعبد السلام موسيى وإخراج حسام الدين مصطفى وإنتاج عام
1972. كتب الكلمات هنا أيضًا الشاعر عبد الفتاح مصطفى، ولحّنها الرائع عبد العظيم محمد
وشدَت بها قيثارة السماء سعاد محمد.

بنى شاعرُنا كلماته على
الأبيات الأصلية التراثيّة في بحر الرَّمَل (فاعِلاتُنْ فَعِلاتُنْ)، فقال: “طلعَ
البدرُ نبيّا/ ورسولاً عربيّا/ ينشُر القرآن نورًا/ وضياءً قدُسيّا/ ولَكَم منّا حيارى/
وارتقبناه مليّا/ فبدا اليومَ جليّا/ مِن ثنيّات الوداع” “طلع البدر علينا/
ومن النور ارتوينا/ برسول الله قرّي/ يا رُبى يثربَ عَينا/ هبةُ الله إلينا/ من يَفي
لله دَينا/ وَجَبَ الشُّكرُ علينا/ ما دعا لله داع.” “طلع البدر مبينا/ رحمةً
للعالَمينا/ وبشيرا ونذيرا/ منقذًا دنيا ودينا/ نحن بالله هُدينا/ واستَجَبنا فحَيِينا/
أيها المبعوثُ فينا/ جئتَ بالأمرِ المُطاع”.

الكلمات بسيطةٌ وإن كانت تحملُ موجَزَ
ما يمكن تخيُّلُه من مشاعر مَن استقبلوا النبي بالمدينة، لاسيّما قول شاعرنا
“ولَكَم مِنّا حَيارَى وارتقبناهُ مَلِيّا”، فهو يتجاوب وما يتردد في كتُب
السيرةِ مِن أنّ يهود يثرب كانوا يهددون عَربَها بقُرب مبعَث نبيٍّ مِن بينهم يُعلي
اليهودَ فوقَ المُشركين، فضلاً عن الارتقاب الأقرب، أي انتظار مَن آمنوا بالإسلام في
بيعتَي العقبة – فضلاً عن مسلمي مكّة الذين سبقوا النبي إلى الهجرة بأمره – مجيءَ النبيّ
ورفيقه أبي بكر.

أمّا اللحن فهو يبدأ رباعيًّا
قبل دخول العزف ثم يأخذ شكل المقسوم الراقص مع بداية الغناء. يفتتح كورس السيدات الأغنية
في مقام الهُزام، ليردد كورَس الرجال نفس البيت الافتتاحي، ثم ينفرد بغناء البيت التالي
“أيها المبعوثُ فينا…” ثم يشترك الجنسان في ترديده. ولعلّ في هذا التوزيع
إيماءً إلى غلَبَة العاطفة عند السيّدات، فهنّ مَن ينعتن النبيَّ بالبدر أوّلاً، وغلبَة
العقل والمبادرة إلى الفعل عند الرجال، فهم مَن يعلنون الطاعة للنبي أوّلاً “جئتَ
بالأمرِ المُطاع”. واختيار مقام الهُزام المحمَّل باللوعة يُنطِق الأبياتَ بحُمولةِ
الارتقاب وطول الانتظار الكامنة فيها، ولعلّه يزيدُها حُمولةً ضمنيّةً ألطف هي ارتقاب
يوم البعث حيث يَرجُونَ أن يُجزَوا خيرًا عن إيمانهم بالنبي المهاجر.

بعد اكتمال الغصن
الأول المنتهي بغناء سعاد محمد “مِن ثنيات الوداع”، يتحول الإيقاع إلى ثلاثي
والمقام إلى الراست في الفاصل الذي تعزفه الوتريات، ثم تصدح (سعاد محمد) ببداية الغصن
الثاني في مقام الكرد على درجة فا دييز (مِن أول “طلع البدرُ علينا” إلى
“يا رُبى يثربَ عينا”)، وإن كانت تمسّ البياتي مسًّا خفيفًا، ثم تتحول إلى
مقام النهاوند الكردي على درجة (سِي) مع “هبة الله إلينا” إلى “ما دعا
لله داع”، وهي نقلات مقامية صاغها عبد العظيم محمد في حساسية بالغة للمعاني المتضمنة
في كلمات عبد الفتاح مصطفى، فمقام الكُرد الشجيّ يحتفي بوصول قرّة عين رُبى يثرب بأن
يتحول في لطفٍ إلى البياتي الدافئ، ثم يتحول إلى النهاوند مع “هبة الله إلينا”
مناسبًا لتأمُّل موقف أهل يثرب كما تنطق به الكلمات.

بعد ذلك الغصن يتحول غناء
الكورس النسائي للمذهب إلى مقام البياتي، يتلوه كورس الرجال الذي يختم ترديده للمذهب
بالعودة إلى مقام الهُزام، مقام الأغنية الأساسي. يبدأ الغصن الثالث بغناء (سعاد) في
البياتي على إيقاع الملفوف السريع “طلع البدر مبينا” وترديد الكورس وراءها.

الخلاصة أن إبداع عبد الفتاح
مصطفى وعبد العظيم محمد وصوت سعاد محمد الساحر تضافر كلُّها لإخراج أغنية خالدة، امتَاحَت
من بئر التراث وأضافت إلى ما أخذَت، فكانت علامةً باقيةً في الوعي الفني الإسلامي.
وما زلنا ننتظر إبداعًا غنائيًا لذكرى الهجرة، يحاول مطاولة هاتين الأغنيتين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى