ثقافة وفنون

ماذا يعني أن تمنح ذاتك حسابا بمواقع التواصل؟

لم يكن يفكر الشاب الذي لم يبلغ العشرين بعد بأسطورة فيسبوك عندما قرر إنشاء شبكة اجتماعية تصل بين طلاب جامعته في هارفارد عام 2004.

كل ما فكر به مارك زوكربيرغ في ذلك الوقت كان الحصول على أكبر كمية من المعلومات التي يشاركها الطلاب من خلال منحهم حسابات شخصية على موقع “The Facebook”.

كانت فكرة الحساب الشخصي ببساطة تمثل البطاقة التعريفية بالطالب والتي ستقدم الانطباع الأول عن أفكاره واهتماماته، لذلك سيكون عليه التفكير بدقة بالتفاصيل التي سيعرضها واختيار الصورة المناسبة لتجلب له مزيدا من الأصدقاء. لم يأخذ مشروع زوكربيرغ كثيراً من الوقت ليستشعر المستخدمين حاجتهم لمنصة كهذه وتطالب بها جامعات أخرى، حتى تم توسيع الشبكة لتضم بعد أربع سنوات فقط أكثر من 130 مليون مستخدم حول العالم.

قبل فيسبوك، كان العالم قد بدأ بالتعرف على مواقع الشبكات الاجتماعية عام 1997 من خلال موقع SixDegrees والذي كان أول موقع يدمج بين خاصية إنشاء ملفات تعريفية “profiles” بالإضافة إلى إدراج قائمة للأصدقاء.

لم تستطع الشبكة الصمود سوى لثلاث سنوات لمحدودية تواجد المستخدمين للإنترنت في ذلك الوقت، ولكن سرعان ما بدأت مجموعة من الشركات بإصدار نسخ متعددة لمنصات مثل (MySpace – Linkedin – Friendster)، كان لديها القدرة على دمج شبكة الأصدقاء بالملفات التعريفية لأهداف مهنية واجتماعية.

تُعرف مواقع الشبكات الاجتماعية بأنها خدمات معتمدة على الإنترنت تسمح للأفراد بإنشاء حسابات عامة أو شبه عامة تحمل معلومات شخصية للمستخدم وتصله بقائمة مستخدمين آخرين يشاركونه الاتصال.

لم تكن تلك الشبكات ومؤسسوها السبب وراء انتشار ملايين الحسابات الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، بل كان منبعها استجابة الأفراد السريعة لتلك الشبكات والتفاعل معها والتعبير عن رغبتهم وحاجتهم إليها.

ولا تزال رغبة الأفراد في منح ذواتهم حسابات شخصية هي ما يشكّل الدافع الأساسي في تطوير تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي وتوفير خصائص تقنية تحاكي ذواتهم وتلامس رغباتهم.

فما الذي يجعل الفرد منا بحاجة إلى الحساب الشخصي أو الملف التعريفي؟ وما الذي تقدمه الحسابات الشخصية لذواتنا ووعينا بها؟ وهل تعد حساباتنا الشخصية أفضل ما يعبر عن ذواتنا الحديثة؟

أنا أكتب إذن أنا موجود 

تحاكي الملفات والحسابات الشخصية رغبة الإنسان بأن يكون كاتباً لنفسه وحياته وبالتالي مالكاً لها ومسيطراً عليها. منذ اللحظة التي نسجل فيها لحساب شخصي ونقدم معلوماتنا الشخصية، فإننا نبدأ عملية خلق ذوات رقمية يتطور وعينا عنها باستمرار مع كل خيار تعريفي نضيفه من كتب قرأناها وأفلام أو اقتباسات ألهمتنا.

تتشكل هذه الذوات بناءً على ما نريد كتابته وإظهاره عن أنفسنا أو ربما إخفائه لنجد ذواتنا الرقمية بعد مدة قد شكلت معالمها الخاصة وتحولت إلى موضوع إنشائي منفصل باستطاعتنا مطالعته والاستمرار في تطويره.

لم يكن وعينا بذواتنا بهذا الحجم من الانفصال، ولكن يبدو أن هذا من أهم الآثار التي خلقتها الحداثة بعد أن استطاعت التأسيس لمركزية الإنسان وساعدت على إعلاء قيم الفردانية لديه.

شكلت الحداثة وعي الإنسان بفردانيته وسعيه وراء حلم تحقيق ذاته الحرة القادرة على تحدي السلطات الخارجية والتعبير عن أفكارها ومشاعرها الحقيقية.

يتناسب هذا الحلم مع فكرة الحسابات أو الملفات الشخصية التي تصفها الباحثة والكاتبة Jenny Sundén في كتابها “Material Virtualities” بأنها ملفات تعريفية متفردة حيث بإمكان الشخص أن يكتب نفسه في الوجود.

هكذا نستمر بكتابة ذواتنا عبر حساباتنا الشخصية حتى تتحول الكتابة إلى جوهر يميزنا عن الآخرين مؤكداً لنا أننا ما زلنا موجودين.

الحلم الباقي

 

ولأن وجود الإنسان يستدعي التفكير بفنائه، فإن أمله لا يقتصر على كتابة ذاته بشكل متجدد وإنما يسعى أيضاً وراء حلم يخلد اسمه أو قصته ويجعل أثره باقياً للأبد، أليس هذا السبب الأبرز الذي يعترف به كثير من الكتاب لتفسير رغبتهم بالكتابة؟

يتعامل الكثيرون مع حساباتهم الشخصية باعتبارها النسخة الخالدة لذواتهم وذلك يجعلهم أكثر حذراً لما يقومون بالتعبير عنه ونشره على صفحاتهم الشخصية.

بالطبع لم يكن من شركة فيسبوك إلا أن تلتفت لمثل هذه الهواجس الإنسانية عندما أصدرت خدمة “legacy contacts” عام 2015 والتي تمنح المستخدم فرصة إعطاء صديق موثوق الصلاحية لإحياء ذكرى حسابه الشخصي والاعتناء به بعد موته. هذه خاصية تجعل الإنسان يشتبك بشكل شخصي بالإرث الذي سيتركه خلفه وتحثه على إعادة تقييم وجوده وإن كان وجوداً افتراضياً.

النسخة الأفضل


يقال إن عصرنا الحديث قد صدّر لنا عقدة الكمال وحولها إلى ثقافة تحتلنا، ولكن في الحقيقة، دائماً ما سعى الإنسان للكمال ووقع في شباك الغرور والاعتداد بنفسه. قد لا يكون هناك مثل حساباتنا الشخصية لتكشف لنا عن مظاهر هذه الرغبة بعد أن استطاعت منصات التواصل الاجتماعي محاكاتها وتلبية طلباتها بكل ذكاء ومكر.

يقول لك حسابك الشخصي إن هناك دائماً مساحة لتقديم الأكمل بدءًا من الصورة الشخصية المحسنة عن نفسك، بالإضافة إلى امتلاك خصائص الحذف والتعديل لكلمات أو أفكار ربما تراجعت عنها أو وجدت أفضل منها، انتهاءً بقدرتك على إغلاق الحساب وفتح آخر لتحصل على فرصة إعادة تشكيل ذاتك من جديد، ذات تعبر عنك بشكل أقرب.

هكذا تحاكي الحسابات الشخصية خيال الإنسان وتمنحه أملاً -وإن كان وهمياً- بأن هناك إمكانية للتحرر من نسخته القديمة وتقديم النسخة الأفضل عنه، نسخة قادرة على اختراق محدودية زمانه ومكانه وترميم عجزه وضعفه.

حفلة استعراض

 

لا يعلم كثيرون أن فكرة “فيسبوك” جاءت بعد تجربة زوكربيرغ لموقع “Facematch” والذي كان يعرض صورا لطلاب جامعة هارفارد ويتم من خلاله تقييم الوجوه الأكثر جاذبية في أعرق الجامعات الأمريكية.

ومع بداية انتشار “فيسبوك” كان الطلاب لا يزالون يأخذون صور ملفاتهم الشخصية بكل جدية، ولوحظ أن كثيرا منهم كان يغير صورته أكثر من مرة في اليوم قبل أن يضيف “فيسبوك” خاصية رفع أكثر من صورة للملف الشخصي.

انتبه “فيسبوك” وغيره من منصات التواصل الاجتماعي إلى أهمية الصورة الشخصية وتم تقديم خصائص تشبع رغبات المستخدمين وتمنحهم الحرية في عرض ما يعبر عنهم ويشبع رغباتهم.

تخبرنا صور ملفاتنا الشخصية ومعلوماتنا التي نختار كشفها أننا واعون بالآخرين ومشاركتهم في تشكيل تصوراتنا عن أنفسنا.

لذلك فإن فكرة الحساب الشخصي المعبرة عن ذواتنا الرقمية لا يمكن لها الوجود دون آخر حقيقيا كان أم متخيّلا، يجعلنا نبني معه علاقة تنتمي لمحيط أو ثقافة مشتركة.

تخلق هذه العلاقة بين الذات والآخر شكلاً استعراضياً متفقاً عليه ضمناً بين مجتمعات الشبكة الاجتماعية ودوائرها المتنوعة.

وكما يقول جي ديبور في مجتمع الاستعراض: “ليس الاستعراض مجموعة من الصور، بل علاقة اجتماعية بين أشخاص، تتوسط فيها الصور”.

بهذه المناسبة نلاحظ أن أدوات الحداثة قد كشفت عن شكل بدائي لطالما عرفه الإنسان في ما يخص عملية الاختيار الجنسي وهو ما ينظر له الأنثروبولوجيون في نطاق “الانتخاب أو الاصطفاء الجنسي”.

استطاع الإنسان تحويل مواقع التواصل إلى مجتمع استعراضي يتم من خلاله اختيار أكثر الحسابات الشخصية تجاوباً مع معايير الالتقاء بين جنسين ينتميان إلى نفس المجموعة الثقافية أو العرقية أو الدينية.

لذلك، فإننا نجد في مجتمعاتنا اليوم أن ما يعرضه الحساب الشخصي من صور وغيرها من أدوات الاستعراض قادر على قيادة مبادرة لعلاقات تأسيسية مثل الزواج.

شبح الحداثة

 

قد تبدو حساباتنا الشخصية مستجيبة لحلم الإنسان الحديث بذاته الحرة والأقرب لتصورات “الإنسان الأعلى” الذي تخيله نيتشه، الأكثر كمالاً وقوة وسيطرة والقادر على تجاوز “الإله” أيضاً.

ولكن في الحقيقة نحن نتعرف اليوم على ذواتنا البدائية بغرائزها ودوافعها المكبوتة لدينا في أرض الواقع.

تعرفنا حساباتنا الشخصية على جوانب كامنة ومختبئة فينا وتكشف عن “الظل” الذي حدثنا عنه كارل يونغ لتسلط الضوء على مساحات الإنسان المعتمة والتي دائماً ما حاول إخفاءها والتستر عليها.

تقدم الحسابات الشخصية للإنسان ذاته الحديثة كشيء متفرد وتوهمه بفردانيته وقدرته على التعبير عن نفسه بكل حرية بينما حاله أقرب لما يصفه إيريش فروم الذي لم يشهد ثورة الشبكات الاجتماعية: “إنه [الإنسان الحديث] يعيش في عالم فقد فيه التواصل الحقيقي وصار فيه كل شخص وكل شيء وسيلياً، حيث صار جزءا من الآلة التي صنعتها يداه..

وهو يفكر ويشعر، ويريد ما يعتقد أنه يُفترض أن يكون تفكيره وشعوره وإرادته؛ وفي هذه العملية يفقد ذاته التي يجب أن يُبنى عليها كل الزمن الحقيقي للفرد الحر”.

وبالرغم من هوس الحداثة في السيطرة على الطبيعة إلا أننا نعترف أمام حساباتنا الشخصية بفشلنا في السيطرة على ذواتنا بعد أن حولناها إلى قرابين وأضحيات لإله السوق والتكنولوجيا.

ولكن لا تتحكم التكنولوجيا بالإنسان إلا لقدرتها على محاكاة نزعاته ورغباته الأولية، والتي تتحول إلى وحش أو كابوس مع تحول هذا الإنسان “المنشغل بذاته” إلى مركز يدور حوله العالم.

نحن بحاجة إلى أن نعيد النظر في هوسنا الحديث بذواتنا وفردانيتنا ونفكر في أنفسنا بشكل أكثر تواضعاً بعيداً عن إغراءات حساباتنا الشخصية.

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى