عالم الصحة الجسدية و النفسية

فانتازيا كرة القدم ما بعد “كوفيد-19”.. تلك المتعة المحرمة

تماما مثلما تخيّله، كهل مُلقى أسفل بقعة الضوء الوحيدة في منتصف الشارع. يحاول فيكتور قدر الإمكان أن يكبح جماح الأدرينالين المنطلق في عروقه، لا يذكر آخر مرة تحمس لأي شيء في الحياة، لقد أصبحت كلمات مثل الحماس والرغبة من الماضي. فقط خطوات بسيطة سيقطعها فيكتور ليصل إلى مبتغاه، وحده هذا العجوز هو مَن يملك صك العبور للجنة المحرمة. يقطع فيكتور تلك الخطوات مترددا بينما يتسلل الشك داخله حول مدى صدق البريد الإلكتروني الذي استلمه صباح اليوم من مجهول، والذي حمل عبارة وحيدة: “نعلم أنك متشوّق لساعة ونصف من المتعة المحرمة”، ثم وصف تفصيلي للمكان الذي وصله أخيرا ليجد ذلك العجوز.

قطع تلك الأفكار صوت غليظ يأمر فيكتور بالتوقف. استدار الرجل ليُلاقي مصيره والذي تجسّد في صورة شرطي اختفت ملامحه خلف القناع المعتاد، لكن صوته كان يُوحي بأنه غاضب. فرد الشرطي عصاه الإلكترونية والتي تضمن أن يفصل بينه وبين فيكتور متر ونصف على الأقل، ثم سأل باقتضاب: “كم عمرك؟ وهل تشعر بالإعياء؟”.لاكان يبدو على فيكتور أنه لن يصمد أكثر من ثوانٍ قبل أن يسقط مغشيا عليه. حبات العرق البارد التي نمت فوق جبينه كانت تأبي إلا تفضح سره، لكنه رد بصوت خافت: “أربع وأربعون سنة، لا تقلق أنا على ما يُرام”. اقترب منه الشرطي بعد أن أعلنت تلك العصا استقرار درجة حرارة فيكتور ووظائفه الحيوية، ثم قام بتفتيشه بشكل حَذِر، لكنه لم يجد ما كان يبحث عنه. اعتذر الشرطي لفيكتور وتحدّث في خيبة أمل واضحة: “إنهم يُصرِّون على خرق القانون، لا يكفيهم سنوات من الموت والقلق. أعتذر لك، لكن صدقني كنت ستفعل الشيء ذاته لو كنت مكاني. دمتم ذخرا للمجتمع بأكمله. أرجو أن يمر عامك القادم بدون مشكلات”.

حاول فيكتور أن يتخيّل نفسه في موضع الشرطي، من المؤكد أنه لن يجوب الأرض بحثا عن شخص يحمل في طيات ثيابه علبة سجائر أو تذكرة وهمية لحضور مباراة كرة قدم، تلك التذكرة التي سمع فيكتور عن وجودها لكنه لم يرها قط وكان على وشك أن يراها للمرة الأولى لولا ظهور ذلك الرجل. تقدَّم فيكتور نحو هذا الكهل الذي تفحّص وجهه في تؤدة ثم وضع في راحته تذكرة لحضور مباراة كرة قدم، لم يستطع فيكتور حينئذ أن يمنع نفسه من تذكُّر آخر تذكرة لامست يديه وكيف آل الأمر إلى هذا المشهد.

        

قبل عشرين عاما كاملة كان المشهد مختلفا تماما. بدأ الأمر بأخبار حول وفيات إثر فيروس غامض انتشر في مدينة ووهان الصينية. لم يهتم أحد لتلك الأخبار في البداية، لكن أعداد المصابين والوفيات كانت تُنذر بخطر قادم لا محالة. لم يطل الوقت حتى أصبح الخطر واقعا ملموسا في قلب أوروبا والعالم أجمع. بدأ الجميع يعلم جيدا ماهية هذا الفيروس والذي حمل اسم “كوفيد-19″، وكيف أنه يستهدف الجهاز التنفسي للبشر ويعتمد مدى خطورته على مناعة المصاب. أصبح كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والمناعية في خطر دائم، وازدادت معدلات الإصابة والوفاة يوميا، وأصبحت أكثر من دولة بؤرة جديدة لتفشي المرض، وفُرِض العزل الذاتي في معظم البلاد. أعوام من الكساد والفقر وإعادة ترتيب الأولويات احتملها البشر حتى انحسر هذا الفيروس ووُجد له علاج أخيرا، لكن القادم كان أسوأ. (1) (2) 

كانت كلمة السر هي الطفرة الجينية. استطاع فيروس كورونا أن يعود مرة أخرى بعد أن قضى عشر سنوات تحوَّر خلالها جينيا، وأصبحت أعراضه أكثر خطورة، لكن ما تغيّر حقا هي فئة المصابين به، كما أنه حمل اسما جديدا وهو “كوفيد-29”. ما زال الفيروس يستهدف الجهاز التنفسي، لكنه أصبح آمنا تماما لكبار السن والأطفال، إنه يستهدف الشباب فقط. أعلن العلماء حول العالم أن هذا الفيروس المتطور جينيا لا يوجد عقار له، والحل الوحيد هو ألا تصاب به حتى تصل إلى سن الخامسة والأربعين. أصبحت هذه السن هي سن النجاة من الفيروس القاتل، وفشل العلماء في توضيح سبب منطقي لهذا الأمر.

فُرِض على الشباب حول العالم العديد من القيود الإلزامية، فلا يمكن بأي شكل أن يُعزَل هؤلاء وهم النواة الأساسية للعمل حول العالم. أُلزِموا بالامتناع عن التدخين وارتداء القناعات الواقية، والكشف الدوري شهريا للتأكد من عدم الإصابة بالفيروس. انتهت في المقابل المئات من الأنشطة غير الضرورية، فطاقة هؤلاء الشباب يجب أن تُركَّز في العمل فقط. أصبح الشباب حول العالم أسير الواجب المجتمعي والقيود التي صارت قوانين ملزمة بعد ذلك. أصبح تدخين سيجارة أو لعب مباراة لكرة القدم بمنزلة جريمة في حق البشرية، جريمة تُعاقب عليها منظمة الحفاظ على شباب العالم التي حلّت محل الرؤساء والوزارات والحكومات أيضا.

أصبحت كرة القدم شيئا من الماضي. بدأ الأمر بالتجاهل التام، ثم القمع والبتر بعد هجمات “كوفيد-29” تحديدا. لكن في المقابل شعر الشباب أن آخر ما كان يربطهم بالمتعة في الحياة أصبح من الماضي. زادت معدلات الاكتئاب والانتحار، وفشلت كل تجارب إقامة مباراة كرة قدم بلاعبين كبار في السن. لم يبقَ سوى آثار قليلة من تلك الرياضة على كوكب الأرض. يُردِّد البعض إن بعض السكان المنسيين في مجاهل العالم ما زالوا يمارسونها كشعيرة قديمة لكي لا ينسوا كيف كانت حياتهم قديما. على الجانب الآخر، ظهر التجار الذين استحوذوا على تلك اللعبة المنهارة وحوَّلوها إلى أحد العروض، مجرد عرض يخلو من أي أشكال الرقابة. كان ذلك أمرا آخر سوقيا ومنحطّا ولم يَرُق لمحبي الكرة الحقيقيين. وحينئذ تحديدا أدرك العالم أهمية تلك اللعبة، أدرك العالم أن أبطال كرة القدم كانوا بمنزلة النماذج التي يرغب الشباب في نسخها، والدواء المسكّن لمزيد من أوجاع العمل والمسؤولية.

أما لاعبو كرة القدم أنفسهم فكان أول ما انقض عليهم هو عنصر المفاجأة بعد فقدان وظائفهم. تبدّد هذا الشعور مع الوقت وحل محله إحباط منطقي بعد نسيانهم تماما في غمرة محاربة الكوكب للوباء المحيط به، ثم الاتهام بأنهم السبب الرئيسي في انقلاب موازين العالم بعد أن أصبحت كرة القدم أكثر أهمية من الطب والعلم، وصولا في النهاية إلى اعتبارهم أساطير من الماضي يجب ألا تمس حفاظا على الصحة النفسية للشباب. (3) تردّد في أنحاء العالم أن لاعبي كرة القدم القدامى استجابوا لرغبة محبي كرة القدم من حولهم؛ إنهم يُدرِّبون الأطفال على ممارسة اللعبة، وهو ما تمنعه القوانين في دول العالم أجمع، لأنه إذا تعلّم الأطفال كرة القدم فلن يستطيع أحد أن ينتزع هذا السحر من قلوبهم إذا ما بلغوا مرحلة الشباب. قُبِضَ على أكثر من لاعب معروف لكن في الخفاء بالطبع، ثم اختفى هؤلاء اللاعبون من العالم بعد سنوات قليلة.

أعلنت منظمة الحفاظ على شباب العالم أنها لا تعلم شيئا عن الأمر، وناشدت جميع لاعبي العالم القدامى أن يعودوا لمنصات مؤتمرات التوعية والتحفيز، فهم أدوات مهمة نحو نجاة الكوكب. لكن الأمور لم تنتهِ هنا، فقد زادت الأخبار التي تؤكد أن هؤلاء اللاعبين يُنظِّمون مباريات كرة القدم سرا مستعينين ببعض الشباب الذين مارسوا كرة القدم في طفولتهم بشكل احترافي قبل أن تندثر اللعبة. يقولون إن ميسي يملك فريقا كاملا يشبهه تماما، ويُقسِم البعض أن بيب غوارديولا ما زال ينافس كلوب في كل مرة يجتمعان معا. لكن كيف ومتى وأين! كلها أسئلة دارت في عقول كل عاشقي كرة القدم الباحثين عن مباراة كرة قدم واحدة فقط لتُنقذهم من تلك الأغلال اليومية التي فُرضت حولهم. مع الوقت أدرك الجميع أن تلك المباريات لا تُشترى تذاكرها’ بل تُمنح.

منذ أن بدأ العزل الذاتي خلال عام 2020 وكانت التعليمات واضحة؛ حاول ألا تكون حلقة في سلسلة انتشار الفيروس، ابقَ في المنزل ولا تُخالط الغرباء إلا للضرورة القصوى. أدرك محبو كرة القدم ألا سبيل لقتل الملل وتحقيق الطمأنينة المرجوة من البقاء في المنزل إلا بمشاهدة مباريات كرة القدم. ملايين المقاطع المتعلقة بكرة القدم أُعيد تشغيلها عبر منصات الإنترنت خلال تلك الأيام؛ ثمة مَن يُعيد مشاهدة مباريات كاملة لفريقه المفضل، وهناك مَن شاهد ساعات متواصلة من المراوغات والمهارات. (4)

رغم اختفاء تلك المقاطع تماما فإنها تُتداول بشكل سري وبمبالغ باهظة بين الشباب. يقال إن منظمات الشباب تترك هذا الأمر يمر بمحض إرادتها حتى لا تتأثر الصحة النفسية للشباب، لكن هذا لا يمنع أن مقطعا واحدا يحتوي على مهارات رونالدينيو كان يُباع بآلاف الدولارات.

كل هذا يعرفه المُنظِّمون الجدد لمباريات كرة القدم. إنهم يدرسون جيدا كل شيء عنك قبل منحك تذكرة لمشاهدة تلك المتعة المحرمة، ويطّلعون على تاريخ البحث في حاسوبك ويعرفون قيمة ما دفعت من أموال كي لا تنسى كرة القدم. إنهم يريدون التأكد جيدا أن المحب الحقيقي لكرة القدم هو مَن يُمنح تلك التذكرة. يجب أن تكون كرويا خالصا حتى لا ينفضح أمر الجميع.

كان فيكتور أقرب للتصديق بأن هؤلاء اللاعبين سُجِنوا جميعا، وأن مسألة المباريات السرية تلك هي محض هراء أطلقه المسؤولون في العالم كي يُبقوا في نفوس الشباب بعضا من الأمل، وكان يرى أن تلك هي الفرضية الأكثر واقعية بعد أن فقد الأمل بمرور السنوات.

انتظر فيكتور لسنوات لكي يُمنح تذكرة واحدة قبل أن ينسى تلك اللعبة التي كان يتنفسها قبل عشرين عاما مضت. لو كان هناك مَن يستحق مشاهدة مباراة لكرة القدم لكان هو في طليعة هؤلاء بالطبع؛ لقد جاب العالم جيئة وذهابا من أجل كرة القدم، وشاهد رقصة رونالدينيو للسامبا قبل أن يُسجِّل في مرمى تشيلسي صغيرا، ورأى ميسي بأم عينيه يراوغ كل مَن يقابله قبل أن يحرز هدفا على يمين كاسياس، وكان شاهدا على معجزة ليستر وكاد قلبه أن يتوقف حزنا بعد أن أحرز أغويرو هدف التتويج بالبريميرليغ، هو الوحيد بين أصدقائه الذي كان يعرف أسماء لاعبي الدوري الإيطالي المصابين بـ “كوفيد-19” في بداية تلك الغمة. مَن أحق منه بتذكرة جديدة لمباراة كرة قدم ربما تكون الأخيرة في حياته؟ (5) (6) (7) (8)

ارتدى فيكتور قميصا بلون فريقه المفضل وذهب إلى هذا المكان المهجور حيث ستُقام المباراة

مواقع التواصل

لهذا كان يشك فيكتور تماما في هذا البريد الإلكتروني الصباحي، لكنه كان على أتم استعداد أن يخوض المغامرة بدلا من هذا العالم الرتيب الممل. حاول أن يكبح سنينا من الصراخ المكتوم داخله بمجرد أن انتقلت تذكرة المباراة من يد العجوز إلى يديه. أخفى فيكتور التذكرة داخل ملابسه سريعا وراح يركض في الشوارع سريعا غير عابئ بتعاليم السير المنتظم التي فرضتها منظمة الشباب، لكنه سرعان ما عاد إلى صوابه كي لا ينفضح أمره في الأخير.

ما إن دخل فيكتور منزله حتى خلع ملابسه تماما وفك قيودا استمرت لسنين حول عنقه. أربك الحماس أصابعه وهو يتفحص تلك التذكرة الساحرة، يبدو أن أمامه ساعة واحدة فقط كي يلحق بالمباراة، ارتدى فيكتور قميصا بلون فريقه المفضل وذهب إلى هذا المكان المهجور حيث ستُقام المباراة.

ملعب كرة قدم حقيقي لا يعرف أحد كيف استطاع القائمون على تلك المباراة أن يخفوه عن أعين منظمة الشباب. يجلس الجميع بشكل يضمن ألا يتميز كرسي عن الآخر بخصوص وضوح الرؤية، هنا لا يوجد تذاكر طبقا لقدرتك الشرائية، لا يوجد أي استثناء إلا مدرج وحيد مخصص للاعبي كرة القدم القدامى، يجلس ميسي بجوار رونالدو وزيدان رفقة بيب وكلوب، لكن ماذا يفعل مورينيو وسيميوني وسط هؤلاء؟

كان سيميوني ومورينيو تحديدا قد تحوَّلا إلى نماذج الأشرار في عالم كرة القدم بعد أن انتهت حسابات الفوز والخسارة في ذهن الجميع، خاصة أن المباراة الأخيرة التي انطبعت في ذهن الجميع كانت المباراة التي استطاع خلالها سيميوني أن يُحقِّق الفوز لفريق أتليتكو مدريد أمام ليفربول كلوب مرتكزا على الدفاع غير عابئ بمتعة كرة القدم. سرعان ما اتضح الأمر عن طريق الصوت المنطلق من المذياع والذي بدأ يشرح ما يُسمّى بقواعد كرة القدم الجديدة:(9)

مورينيو وسيميوني (رويترز)

لقد انتهت حسابات الفوز والخسارة للأبد، لا يوجد ما يُسمى بالنقاط أو خروج المغلوب. لقد عادت كرة القدم إلى طبيعتها الأولى، نشاط يُمارَس من أجل المتعة فقط. لقد علّمتنا تلك السنين أن ما يبقى في الذاكرة هو الأداء الجيد وليست الألقاب والفوز المُعلّب أو التناحر. إن كرة القدم هي مَن ساعدت الكثيرين على التغلب على الوقت الصعب أثناء هجمات “كوفيد-19″، وها نحن نلعبها بكل الحذر الممكن لمواجهة “كوفيد-29”. كل مَن في الملعب تم التأكد تماما أنه غير مصاب بالفيروس، كما أن جميع الشباب يعمل من أجل البقية، لكن ما فائدة العمل دون متعة؟

أنت لا تجلس في كرسي مخصص لمساندة فريق معين، لأن حسابات الفوز والخسارة لم تعد مجدية الآن. لقد فكّرنا في البداية أن نضع قواعد مخصصة لكرة القدم الجديدة، لكننا أدركنا أن المهم هو أن يؤمن كل مَن في الملعب تماما أنه لا فائدة سوى الاستمتاع بكرة القدم فقط. نعلم أن المتعة شيء نسبي، لكننا نريد أن نؤكد لكم أن السيدين جوزيه مورينيو ودييجو سيميوني بأنفسهما يقولان لكم حافظوا على متعة كرة القدم لأنها هي كل ما تبقى لنا.

تكرّر هذا الحديث بأصوات ولغات مختلفة، أصوات لا يُخطئها محبو كرة القدم أبدا، تحدث ميسي بالإسبانية، ورونالدو بالبرتغالية، وزيدان بالفرنسية، وكلوب بالألمانية، وأبو تريكة بالعربية، بينما تولّى فينغر الترجمة لبقية اللغات، رباه، ما زال فينغر مرتبطا بلعبة كرة القدم!

انتهت المباراة أخيرا، ساعة ونصف مرت من المتعة الخالصة دون تناحر. للمرة الأولى يعود فيكتور إلى منزله دون أن يتمنى أن تعود كرة القدم التي عهدها طوال حياته مرة أخرى، بل كان يتمنى أن تعود كرة القدم لكن في ثوبها الجديد، تعود كرة القدم الممتعة وتبقى للأبد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى