ثقافة وفنون

فارس هوازن وقصص أخرى: قراءة مقارنة

قبل الولوج إلى المجموعة القصصيّة، لا بدّ من القول بأنّ تقويم الأدب يجب ألّا يخضع لعواطف النّاقد، ورغباته الشّخصيّة، في المقابل على الأديب أن يكون واسع الصدر، لا يستهويه المدح، ولا يغتر كثيرًا في التّصفيق والتّصفير؛ لأنّ المآخذ والمحاسن ستكون حاضرة تحت مجهر النقد.

هذا مع الإشارة إلى أن يكون الإنسان أديبًا؛ شاعرًا أو ناثرًا، فمن الطبيعي جدًّا أن يكون هدفًا لسهام النقاد وكلامهم اللاذع، الذي لا يخلو -أحيانًا- من قسوة وتجريح، وهذا الأخير -بالطبع- ما لا نهدف إليه.

وعودًا على بدء، فإنّ نجيب عبد اللطيف الكيلاني، واحد من أعلام الأدب والفكر الذين أنجبهم الرّيف المصريّ، ولد في قرية شرشابة، إحدى القرى المصريّة، سنة 1931م، نشأ في أسرة فقيرة الحال، تعمل بالزّراعة، وبدايةً تلقى تعليمه في كتّاب القرية، وتعلّم القراءة والكتابة، إلى أن التحق بكلية الطب بالقاهرة، ثمّ انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، متأثرًا بطروحاتها وأفكارها، الأمر الذي انعكس شكلًا ومضمونًا على مؤلفاته بشكل واضح؛ لا سيّما الأدبية، موظفًا الأدب والفن تبعًا للتوجه الفكريّ، لهذا ليس من المستغرب أن يتعرّض الكيلاني للسّجن والاعتقال في عهد جمال عبد الناصر، الذي لم يكن أصلًا على وفاق مع جماعة الإخوان المسلمين، وقد توفي الكيلاني سنة 1995م.

تراوحت مؤلفات الكيلاني الأدبية ما بين الرّواية والقصّة والشعر، ومن أشهر أعماله الأدبية على سبيل الذكر لا الحصر: الطريق الطويل (1957)، اليوم الموعود (1960)، في الظلام (1961)، ودم لفطير صهيون (1988). ومن القصص: عند الرحيل، وموعدنا غدًا، وفارس هوازن. ومن الشعر: أغاني الغرباء، وعصر الشهداء، ونحو العلا، وغيرها. إلى جانب ذلك، أظهر الكيلاني اشتغالًا في النقد، نحو: الإسلاميّة والمذاهب الأدبيّة، وآفاق الأدب الإسلاميّ، ونظريّة الأدب الإسلاميّ وتصوّره. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه إذا كان نجيب محفوظ هو عميد الأدب العربي، فقد عدّ نجيب الكيلاني عميد الأدب الإسلامي.

قبل البدء في الولوج إلى القراءة التطبيقية: كان لا بدّ أولًا، من إخضاع أركان العنوان الثنائيّ: (فارس هوازن) وقصص أخرى؛ لغرض استجلاء الفكرة من التقسيم، لكن نرجي ذلك لاحقًا بعد الفراغ من قراءة المجموعة.

امتاز أسلوب الكيلاني بالواقعية التاريخية، والسّهل الممتنع، على أنّ الطابع الدّعوي في الكتابة غالب، ومن هنا يكتسب الجزء الأول من العنوان (فارس هوازن) مزيّة خاصة بها، وإذا كان العنوان أوّل العتبات للوصول لفهم الرّؤية النصية، فإن عنوان (فارس هوازن) يتسق مع طبيعة اللون الذي يكتب به الكيلاني، وهو اللون الإسلامي، والعنوان يمنح دلالة صريحة في أنّ مكوّنات القصّة تستمد من التاريخ والواقع، فالمعروف أنّ هوازن إحدى قبائل العرب في الجاهلية، ما إن كانت قبيلة معادية للإسلام حتى تحولت إلى قبيلة مناصرة.

غير أنّ الذي يجدر الإشارة إليه، هو أنّ هذا الجانب من القصص لا يمكن إخضاعه تحت مجهر النقد الفني؛ لسبب بسيط جدًا، هو أنّ القارئ العادي يعرف مضمون القصص، وهو المضمون الديني، كما لا يحتار في أمرها، ولا يقف أمامها متأملًا.

إضافة إلى هذه الملاحظة، ينبغي الإشارة أيضًا إلى أنّ الكيلاني قد أدخل على هذه القصص بعض التشذيب والإضافة، مع تطعيمها ببعض جمالية التعبير، ومرد ذلك فيما أرى راجع إلى أنّ توظيف الأسلوب الفني أكثر قدرةً من غيره على استدرار عواطف القرّاء، وإلهاب حماسهم، وتأجيج مشاعرهم.

وبالرغم من ذلك، إلا أنه من المفيد للغاية التأكيد أنّ مثل هذا اللون من القصص، نادرا ما يجتمع فيها التجربة والخيال والملاحظة.

تقع المجموعة القصصية في مئة وست وخمسين صفحة من الحجم الصّغير، وتحتوي على إحدى عشرة قصّة، وجميع القصص تعقد على استدعاء الشخصيات والأحداث التاريخية دون أن تكون لها دلالة فنية، وعلى هذا الأساس، فإنّ مجموعة فارس هوازن لا يمكن إخضاعها تحت مجهر النقد الفني؛ لافتقادها التجربة والخيال والملاحظة، وبعبارة أدق فالمجموعة القصصية ليست بالمستوى الفني الجيد بقدر ما هي مجرد إعادة صياغة تاريخية في أسلوب قريب إلى حد ما من اللغة الفنية؛ خدمة لغرض الكاتب الدعوي.

فارس هوازن

إنّ قصة فارس هوازن، قصة إراقة الدم بلا معنى، تجسد شخصية مالك بن عوف بطل القصة، المعروف أنه زعيم قبائل هوازن، وهو فارس شجاع، حشد القبائل لحرب محمد، وبسبب غروره وكبريائه وعدم أخذه برأي الحكماء أمثال دريد بن الصمة، انتصر المسلمون فولى هاربًا.

وقصة أحزان مالك، تدور حول شخصية جبلة بن الأيهم، ملك غسان، الذي تصدى للإسلام وحاربه بعنف، واعتنق النصرانية، ومن ثم الإسلام؛ لأن الإسلام جاء ليساوي بين الناس.

وعذراء المدائن، قصة تشير إلى فتح المدائن وسقوط إمبراطورية الفرس تحت راية المسلمين بقيادة حذيفة بن اليمان، كما تحمل في ثناياها الدعوة إلى الله ورسالة مفادها لا إكراه في الدّين.

أما قصة مصرع طاغية، تتخذ من أبي جهل محورًا أساسيًّا، قتل على يد صبيين صغيرين، هما ولدا عفراء.

قصة رجال الله تكرس فكرة السّمع والطاعة، وتدور حول انتصار جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد على الروم.  وقصة ابن السبيل تتحدث عن الشاعر جرير والقصة المشهورة مع الخليفة عمر بن عبد العزيز، وما إن علم جرير بأنه لا يقيم للمدح وزنًا ويخصص مجلسًا للشعراء ولا يقابلهم، حتى أصيب بخيبة، وطلب منه أن يعده واحدًا من أبناء السبيل.

إن قصة “قلب الأميرة” قصة تاريخية، تشخص حالة الموقف الإسلامي، فقد أظهر الكيلاني من خلالها الصّورة المشرقة عن الإسلام والمسلمين في حسن التعامل مع الأعداء، وتدور أحداث القصة حول الحرب الصليبية بين ريتشارد ملك إنجلترا الملقب بقلب الأسد وصلاح الدين الأيوبي.

على أن الحدث الأبرز والأهم في القصة، يدور حول موقف الأميرة جوانا أخت ريتشارد، التي تطارح فارسًا عربيًا مسلمًا عظيمًا الغرام والحبّ، خفق قلبها لشقيق صلاح الدين الملقب بالملك العادل، إذ إنّ إمساك قلب هذا الرّجل بالنسبة لها، أروع من الاستيلاء على بيت المقدس، واحتلال العالم لا يملأ فراغ قلبها، فقد تعلقت به.

أرادت الزّواج منه؛ حقنًا للدّماء، وفي مقابل أن تضع الحرب أوزارها بين المسلمين والصليبيين، وأن يتحقق الحبّ والسّلام، غير أنّ اختلاف العقيدة، واعتراض رجال الكنيسة من القساوسة يحول دون استمرار هذا الزّواج. ونأتي الآن إلى الجزء الآخر من القصص.

قصص أخرى

الملاحظ في هذه القصص، أنّها أكثر نضجًا من سابقتها، ذلك في اعتمادها أساسًا على الصّورة المفارقة والتجربة والملاحظة، إذ تتوزّع أربع قصص على التوالي: “المعطف الأسود، العدالة، الحلم الجميل، النّافذة.

تدور قصّة المعطف الأسود، حول طالب في كلية الطب، اسمه محمّد الحدّاد، هادئ، وصامت، ومتقد الذكاء، يكشف الراوي سرّ صمته وعزلته، في أنّ أباه مات مقتولًا؛ بسبب تسرعه، يتفاهم دائمًا بيده. على العكس تمامًا من ابنه في اتّخاذ العقل وسيلة لحل معضلات الحياة.

في حين تشخّص قصّة العدالة الاعتقال والتّعذيب، ويقدّم لنا الكاتب من خلالها واحدة من صور الظّلم؛

إذ تحكي القصّة عن سجين، متهم بحيازته السّلاح، وكلّ جريمته أنّه صديق قديم لأحد المتهمين، وما إن أدرك الموت حتّى اعترف على صديقه؛ ليخلص نفسه من الألم، على أنّ السلاح أصلًا ليس له وجود إلّا في أذهان من يتولوّن أمر المسجونين، الأمر الذي راح ضحيتها صديقه على جرم لم يقترفه.

أمّا الحلم الجميل، فقصة تحمل في طياتها الكثير من المواقف الساخرة، وتجسّد خيبة الأمل، تتحدث عن أحد السّجناء السّياسيين، وهو طالب بكلية الطب البيطري، اسمه عبد النافع، يمتلك روحًا مرحة، ينسج في مخيلته علاقة حب مع نعيمة ابنة خالته، وحين يظن أن أمله سيتحقق بالزواج مع انتهاء محكوميته، يفاجأ برسالة منها تشكره؛ لأنّ أباه أحضر لها عريسًا مناسبا (لقطة) حسب ما قالت أمه في أثناء زيارتها له.

إنّ الحلم الجميل بالإضافة إلى ما سبق، قصّة تتخذ السّخرية كفعل مقاومة وافتعال السخرية في السجن كرد على الطغيان، لذا فإنّ الشخصية المسجونة والمظلومة والمقهورة تداري ذلك الواقع بالسّخرية.

قصّة النّافذة تصوّر حالة عجز الإنسان أمام أشياء صغيرة، بالرّغم من أنه لا يعجز عن الأشياء الكبيرة، ويمثل عجز الإنسان العذاب النّفسي، لتغدو النّافذة معادلاً موضوعيًا للشخصية، يستطيع من خلالها أن يطلّ على أحزان التّعساء.

تدور قصّة النافذة حول طبيب يمارس عمله على صورة جافة وبقلب جامد، لا ينبض بأيّة عاطفة، ويصاب ابنه بالتيفوئيد، وبالرغم من العلاج والرعاية الزّائدة لا يستطيع أن يقدّم شيئًا سوى قياس درجات الحرارة، وكلمات طفله الصغير وهو يئن من الوجع تمزق نياط قلبه، وتضرعات عينيه تسحق كبرياءه وآماله.

والنّتيجة التي اهتدينا إليها، أنّ مجموعة هوازن وقصص أخرى تستمد تشكلها من مسربين رئيسيين هما: التاريخي والفني.

والقصّة التاريخية هي التي تنهض على معطيات التاريخ وتستمد إحداثياتها من الحقيقة، لهذا تهدف إلى نقل الحقائق وتوضيحها توضيحًا يقارب إلى حدّ ما الصّواب، مما يؤدي إلى ابتعادها عن الفنية، ذلك من خلال تصوير عصر من العصور أو حدث من الأحداث بلغة سلسة وسهلة، على أنها تفتقر في كثير من الأحيان إلى اللغة الفنية، لكن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أنّ القاص في المسار الآخر من المجموعة، وفّق في إخضاع تجربته وفق صياغة فنية، تجلت باستخدام تقنيات السرد، من تذكر واسترجاع ورمز.

باحث وناقد مستقل، حاصل على درجة الدّكتوراه في الأدب والنّقد الحديث.

المصدر:

فارس هوازان وقصص أخرى: نجيب الكيلاني، ط2 ـ 1988، مؤسسة الرّسالة، بيروت.

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى