علوم وتكنولوجيا

علامة استفهام (10): ماذا تعرف عن غزو الذاكرة؟

(1)

انتزعتني من بين ضوضاء المكان وازدحامه، أمسكت بيدي وأجلستني، ثم أطفأت الأنوار وأعلنت بدء العرض، بطل الفيلم كأنه أنا، اندمجتُ تمامًا في المشهد، لم أعد أرى ما حولي ولا أشعر بما يجري، إلى أن هزَّ رجلٌ كتفي طالبًا أن أفسح له الطريق، فانتبهتُ فجأة، وعدت للتو إلى ضوضاء المكان وازدحامه، لقد أُضيئت الأنوار، وانتهى العرض.

كأن هذا ما تفعله بنا الذاكرة، تأتي دون مقدمات، تنتزعنا ممن حولنا لحظات أو دقائق أو حتى ساعة، ثم ترحل وقد تركتنا أشلاء، وكأنها كانت تغزونا.

(2)

أمك تضمك لصدرها مريضًا وكأنك ما زلت طفلًا، أبوك في حفل تخرجك الجامعي يضع يده على كتفك وكأنه يخبرك ألا تخشى شيئًا فهو سندك، إخوتك الذين طالما تشاجرت معهم يحتفون بك يوم عرسك، أستاذك في الجامعة لم تكن تحبه لكنه أنصفك، أصحابك ومقالبهم فيك في رحلاتكم المجنونة، يوم نمت على الرصيف في أول ليلة سفر لك خارج بلدك، بعد أن سُرقت أموالك القليلة، أول ليلة لك في المعتقل، الحسناء التي تحايلتَ على تصويرها فبدت في خلفية الصورة صغيرة لا تُرى، أيامك المُرّة وأيامك الحلوة.. كل شيء، كل شيء، إنها الذاكرة تغزوك من كل زاوية.

(3)

تسمع أغنية لم تسمعها منذ زمن طويل، أو تقع في يدك صورة قديمة وأنت ترتب أوراق مكتبك، أو يذكر أحدهم أمامك تعبيرًا ما، يهيج الشوق، وتأتيك الذاكرة، فتسترد لحظةً تخيلت أنها انقضت وماتت، تشاهدها كأنك تشاهد فيلم السهرة، تندمج في ثناياها، تتذكر فجأة تفاصيل صغيرة، تندهش كيف فاتتك حينها، تحاول أن تمسك بها كأنك تعيشها لأول مرة، تتلذذ بها كأنك لم تكن من أبطالها.

في عَرض الذاكرة أنت البطل، وأنت المخرج، وأنت المصور، وأنت المونتير الذي سيقوم بقطع المشاهد بدقة وتركيبها ربما بطريقة تختلف قليلًا عن أول مرة، بطريقة تجعلك ترى ما لم تره أول مرة؛ واعجبي!

الذاكرة في غزواتها قد تخدعك، تأتيك أحيانًا على استحياء، تخرجك من لحظتك الراهنة، تعدك بأنها لحظة وتعود، تقول لك: اتبعني لبرهة سأريك شيئًا! ثم رويدًا رويدًا تجد نفسك متورِّطًا في المشهد بكامله، في الفيلم بأكمله.

في العرض أنت البطل، وأنت المخرج، وأنت المصور، وأنت المونتير الذي سيقوم بقطع المشاهد بدقة وتركيبها ربما بطريقة تختلف قليلًا عن أول مرة، بطريقة تجعلك ترى ما لم تره أول مرة؛ واعجبي!

بعد أن ينتهي العرض تغمرك مشاعر متناقضة:
الندم، لماذا فعلت هذا ولم تفعل ذاك؟! يا إلهي كم كنت غبيًّا حينها، كيف فاتني ذلك؟! كيف ضيعت ما ضيعت؟!

الألم حسرةً على أمر قد فات ولن يعود، أو على حبيبٍ قد رحل إلى ربِّه.

الفرح استمتاعًا بلحظات كنتَ فيها ساذجًا للغاية، لا خبرة لك في الحياة، تأتي بأشياء غريبة، لكنَّك كنت تضحك من قلبك حتى تفيض عيونك بالدموع.

تفاصيل كثيرة تضيع، تتلاشى، تفاصيل أخرى تبقى كأنها وقعت بالأمس.

صدقت رضوى عاشور: الزمن يجلو الذاكرة كأنه الماء تغمر الذهبَ فيه يومًا أو ألف عام فتجده في قاع النهر يلتمع، لا يفسد الماءُ سوى المعدن الرخيص، يصيب السطح ساعة فيعلوه الصدأ.

(4)

الذاكرة تعرف جيدًا نقاط ضعفك، وتعرف متى وأين يمكنها أن تغزوك، كأن تكون في مرض، أو سفر، أو عزلة، أو شيب، إجمالًا في الوحدة.

لا.. ليس دائمًا، بل العجيب أنك قد تكون غارقًا في حديث شجي مع أصدقائك، ثم فجأة تقف وتقول لقد تأخرت، عليَّ الانصراف، والحقيقة أن الوقت لم يتأخر، وإنما استدعيت من قبل الذاكرة.

عندما تنهي الذاكرة غزوتها وترحل، تشعر أنك قد خرجت للتو من عاصفة، كل ما بداخلك مبعثر: مشاعرك، أفكارك، كلها.. كلها، قد لا تطيق حينها أن يكلمك أحد، وقد يكون مزاجك رائقًا إلى حد أنك متسامح مع أي أحد وحول أي شيء، يعتمد الأمر على ما تذكرته.

أقول لنفسي متهكمًا: لم يتوصل العلماء بعدُ إلى تفسير ما يجري، وكيف أننا نتلذذ باللحظة المستردة أكثر مما كنا نتلذذ ونحن نعيشها أول مرة.

صدقت أحلام مستغانمي: إن ذكرى الحب أقوى أثرا من الحب، لذا يتغذى الأدب من الذاكرة لا من الحاضرة.

(5)

تعرف الذاكرة أن الأشياء تفقد قيمتها دونها، بالله عليك ما قيمة “محطة الرمل” في الإسكندرية إن زرتها أول مرة؟! ما قيمة الحي القديم في سراييفو إن زرته أول مرة؟! ما قيمة برج غالاتا في إسطنبول إن زرته أول مرة؟!

كلها جميلة بلا جدال، لكن مكانتها في نفوسنا ليس بسبب جمالها، ولكن بسبب الذاكرة، لذا أنت تراها بعينٍ غير التي يراها بها غيرك، والذين يسألونك لماذا أنت متيم بهذا المكان؟! ليس فيه شيء يستحق! لا يفهمون الحقيقة؛ ذلك لأن عيونهم عميت عن الذاكرة.

(6)

الذاكرة لا تغزوك دائمًا للفتك بك، إنها تعمل أحيانًا على نجدتك، تتسلل إليك مثلًا وأنت في السجن، تغافل الحارس وتهرب بك، تتقلب بين أزمنة مختلفة كنت فيها حرًّا قبل أن تقع أسير الظالم الذي كنت تحاربه، تعيد تشكيل الصورة التي اختلطت ألوانها في مخيلتك بفعل الأحداث المتراكبة، تفهم الآن لماذا قال رفيقك ما قاله، ولماذا كان عليك أن تفعل غير ما فعلت.

عندما تنهي الذاكرة غزوتها وترحل، تشعر أنك قد خرجت للتو من عاصفة، كل ما بداخلك مبعثر: مشاعرك، أفكارك، كلها.. كلها، قد لا تطيق حينها أن يكلمك أحد، وقد يكون مزاجك رائقًا إلى حد أنك متسامح مع أي أحد وحول أي شيء، يعتمد الأمر على ما تذكرته

تفهم الآن لماذا فعلت رفيقتك ما فعلت، لقد كانت تبذل جهدًا لتبدي لك اهتمامًا غفلت أنت عنه حينها ولم تفهمه.

ساعات السجن الطويلة تقضيها برعاية الذاكرة.

بعض الأحداث تحتاج أن تبتعد عنها حتى تفهمها، لا يمكن أن تستوعبها تمامًا وأنت في خضمها، وأنت عضو فعّال فيها، تحتاج إلى أن تكون محايدًا، أن تنظر إليها من عَلٍ، أن ترمقها بعينك وقد حيَّدت انفعالاتك كلها وهدأ حماسك، وكأنّك امتلكت البصيرة.

(7)

آفة الذاكرة النسيان، مؤلم أن تريد أن تتذكر أمرًا فلا تجد إلا فراغًا، تغيب ملامح الناس، ملامح المكان، ملامح الزمان، ملامح الأحداث، تعرف أنه قد وقع شيء ما، شيء ما لكنك لا تتذكر تفاصيله، هذا أمر بالغ القسوة.

صدق نجيب محفوظ: الموت يبدأ بالذاكرة، وموت الذاكرة أقسى أنواع الموت، ففي قبضته تعيش موتك وأنت حي، وتُرَدُّ -وأنت لا تدري- إلى الأمِّيَّة.

(8)

الذاكرة كنز، كنز لا يُقدَّر بثمن، بحلوه ومُرِّه، إنها تمنحك الزاد لتواصل الحياة، تُشعرك أنك لست ابن اليوم، أنت صاحب تاريخ عريق، هذه الأخطاء، هذه الحماقات، هذه الإنجازات، هذه الانتصارات، هذه الأحزان، هذه الأفراح، هي أنت، وأنت لا قيمة لك إلا بها، بهذه الذاكرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى