ثقافة وفنون

سيرة النبي ﷺ في “رسالتين” للسوري العقاد والإيراني مجيدي

عندما عُرض فيلم “الرسالة” للمخرج السوري مصطفى العقاد لأول مرة سنة 1976 في لندن، كانت الثورة الإسلامية في إيران ما زالت في إرهاصاتها الأولى، ولم تنجح في إسقاط نظام الشاه، وإقامة الدولة الإسلامية إلا بعد ثلاث سنوات من إطلاق أول فيلم سينمائي يتناول جزءاً من المرحلة التأسيسية للإسلام، وجانباً من سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

تكيّفت السينما الإيرانية العريقة مع الهوية الجديدة للدولة بعد الثورة، ورأى سينمائيو الموجة الجديدة التي سبقت الثورة، أنّ الثورة حققت الهدف الذي طالما ناضلوا من أجله فنياً وسياسياً، وهو كشف عورة النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران. وعلى الرغم من انتمائهم إلى الأجنحة اليسارية في المعارضة الإيرانية، إلا أنهم قبلوا بالصبغة الإسلامية للثورة بوصفها تمثّل الإرادة الشعبية.

ومن أبرز هؤلاء السينمائيين محسن مخملباف المولود في طهران سنة (1957). وكان يقضي حكماً بالسجن بتهمة التآمر لقلب نظام الشاه عندما قامت الثورة. ومنهم أيضاً المخرج العالمي عباس كارستمي (1940- 2016)، الذي اختار أن لا يغادر بلاده بعد الثورة، واصفاً خياره بأنه أخطر قرار اتخذه في حياته، وعلّل ذلك بالقول “إن الفنان كالشجرة إذا غادر وطنه تنقطع جذوره، ويفقد القدرة على الإبداع”.

اقرأ أيضا: الخفايا المذهلة في فيلم الرسالة




ثالث هؤلاء المخرجين البارزين مجيد مجيدي، المولود في طهران سنة (1959)، وهو صاحب فيلم “محمد رسول الله” الذي أنتج بعد ثلاثة عقود من فيلم “الرسالة”. والفيلم الذي بلغ أعلى تكلفة في تاريخ السينما الإيرانية (50 مليون دولار)، هو الجزء الأول من ثلاثية سينمائية يخطط مجيدي لإخراجها، ويغطّي فيها السيرة النبوية كاملة.

هذا المشروع الضخم يكشف عن إدراك الدولة الإيرانية لأهمية السينما في مخاطبة العالم بلغة الفن الناعمة القادرة على اختراق العوائق السياسية بين الدول، وتقديم الدولة بوجه حضاري ينفي أيَّ وجه آخر غير حضاري تفرزه الصراعات السياسية والأيديولوجية. 

لم يقف النظام الديني الحاكم في إيران من السينما موقفاً تحريمياً مطلقاً. وبالمقارنة مع قصة إنتاج فيلم “الرسالة” التي شابتها الكثير من الشكوك والعوائق من قِبل المؤسسة الدينية السعودية، أعطت الدولة الإيرانية للسينما مساحة من الحرية مكّنت مخرجين أمثال كارستمي ومجيدي من صناعة أفلام ذات جودة عالية، خاضوا من خلالها المنافسات الدولية، وحصدوا أهم الجوائز، مثل جائزة مهرجان مونتريال السينمائي الدولي، التي فازت بها أفلام مجيدي أكثر من مرة. إضافة إلى فلمي “قندهار” (2001) لمخملباف، وفيلم “كلوز أب” (1990) لكارستمي، اللذين صنّفا في قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما العالمية. 

صحيح أن تبنّي مخملباف لقضايا حقوق الإنسان في العالم الثالث عموماُ، وفي إيران خصوصاً، دفعه إلى التصادم مع حكومة الرئيس المتشدد أحمدي نجاد، ومغادرة بلاده إلى أوروبا عام 2005، إلا أنّ التأبين المهيب الذي حظي به زميله كارستمي من مسؤولين كبار عند وفاته، يدل على تقدير الدولة الإيرانية لصناعة السينما وصُنّاعها، وحرصها على أن يكون الفيلم الإيراني نابعاً من عباءتها، وليس من خارجها.

يكشف فيلم “محمد رسول الله” عن نجاح الدولة الإيرانية في الاستثمار في السينما، وفي توجيه كبار المخرجين نحو خدمة خطابها الأيديولوجي الموجّه إلى أكثر من جهة. وكما أراد العقاد لفيلم “الرسالة” أن يكون رسالة تعريفية بالإسلام ونبيّه موجهة إلى العالم الغربي أولاً في نسخته الإنجليزية، وإلى العالم العربي والإسلامي ثانياً في نسخته العربية، يسعى مجيدي في فيلمه نفس المسعى. لكنه بخلاف العقاد، الذي كان فيلمه حلماً فردياً ومغامرة إنتاجية، يحظى بدعم المؤسسة الدينية الإيرانية إنتاجياً، وإيديولوجياً.

تبرز ضرورة المقارنة بين الفيلمين على أكثر من صعيد. إنتاجياً، بلغت تكلفة فيلم “الرسالة” 10 ملايين دولار، وتعد أعلى من تكلفة فيلم “محمد رسول الله”، إذا أخذنا بعين الاعتبار الفارق الزمني الكبير بين الفلمين. الأمر الذي مكّن العقاد من تنفيذ السيناريو الذي تطلّب عناصر إنتاج ضخمة، من حيث اختيار مواقع التصوير المماثلة لبيئة الحجاز، والكوادر الفنية، والمجاميع البشرية، والملابس، والمعدات، والديكورات، وطاقم الممثلين الكبار، الأجانب والعرب.

موضوعياً، يتناول فيلم “الرسالة” مرحلة الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، وما بعدها، انتهاء بفتح مكة. ويلتزم الفيلم بأمانة شديدة، بتقديم السردية المُجمع عليها لتاريخ الدعوة الإسلامية. ولضبط سيناريو الفيلم وفق هذه السردية، ومراعاة لحساسية الموضوع، وخطورة تناوله سينمائياً، استعان العقاد بجهود كتّاب من المتخصصين في الأدب والتاريخ العربي الإسلامي، منهم توفيق الحكيم، وعبد الحميد جودة السّحار، وعبد الرحمن الشرقاوي.

اقرأ أيضا: حقوقي فرنسي لـ “عربي21”: “ماكرون” قد يجر العالم لحرب دينية




إضافة إلى أنه استجاب لشرط عدم تجسيد شخص النبي، وزوجاته، وخلفائه الراشدين الأربعة. وهذا الشرط قيّد السيناريو، وأجبر الكاتب والمخرج على إيجاد بدائل داخل المَشاهد لتعويض غياب الشخصيات الرئيسة.

فيلم “محمد رسول الله” استفاد من سخاء ميزانية الانتاج في تنفيذ سيناريو غني بالعناصر البصرية إلى حدّ الترف، في الديكورات، ومواقع التصوير، والملابس، والميكياجات، والأدوات، التي أضفت على الفيلم جواّ أسطورياً كأجواء أفلام “هاري بوتر” و”ملك الخواتم”. وفي حين اقتصد فيلم “الرسالة” في استخدام عناصر التصوير للحفاظ على واقعية نقل البيئة العربية، جنح الفيلم الإيراني إلى اتخام المَشاهد بعناصر الإبهار البصري التي سلبت المكان هويته الطبيعية، وأسبغت عليه هوية فانتازية.

وحافظ الفيلم الإيراني على الخطوط العريضة للسيرة النبوية، في أحداثها وشخوصها، لكنه مارس نوعاً من التغريب الفانتازي عليها، خصوصاً شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم في طفولته، وشخصية جده عبد المطلب، وأمّه آمنة، وعمه أبي طالب، ومرضعته حليمة السعدية. إضافة إلى شخصية أبي لهب، وشخصية اليهودي صموئيل، وشخصية الراهب بحيرة.

ولتعويض قلة المعلومات في المصادر التاريخية الموثوقة عن المرحلة المبكرة من حياة النبي، لجأ مجيدي إلى توسيع حدود الخيال الدرامي في بناء الأحداث والشخصيات، واستفاض في توظيف الإشارات والعلامات التي صاحبت مولد النبي عليه السلام، فحولها في سياق المعالجة الفانتازية إلى معجزات وخوارق للطبيعة البشرية والقوانين المادية، حتى بدت صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في طفولته كصورة المسيح عليه السلام، وصورة آمنة كصورة مريم البتول، وصورة عبد المطلب كصورة زكريا، وصورة أبي لهب كصورة يهوذا الإسخريوطي.

ينتمي مجيدي إلى تيار السينما الواقعية الاجتماعية، وتتميز أفلامه الشهيرة، مثل “أطفال السماء” (1997)، و”لون الجنة” (1999)، بأسلوبها الواقعي النقدي، وحسّها الإنساني المؤثر. لكنه في فيلم “محمد رسول الله” اختار أسلوب الفانتازيا التاريخية، في محاولة منه لإسقاط الحاضر على الماضي، ومزج الديني بالسياسي، وإطلاق الرسائل التي تخاطب العالم الغربي في مسيحيته، في محاولة لفصل العهد المسيحي الجديد عن اليهودي القديم، وتقديم الإسلام بوصفه امتداداً للمسيحية وقطيعة مع اليهودية.

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى