ثقافة وفنون

“سيرة الرواية المحرّمة”.. لماذا تمرّد نجيب محفوظ على نفسه؟

يفتتح محمد شُعير كتابه “أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة” بإشارة بالغة الدلالة، ولعلها تلخص كل الجدل الذي دار حول الرواية.

الإشارة إلى تزامن نشر الرواية مع شيوع ظاهرة الممثل الأمريكي جيمس دين بطل فيلم “متمرد بلا قضية” للمخرج نيكولاس راي، والمنتَج سنة 1955.

ينبش محمد شعير أرشيف الصحافة المصرية في الفترة التي تزامنت مع نشر رواية “أولاد حارتنا”، ويتتبع ردود الفعل التي أثارتها الرواية فور صدورها، واستمر تثيرها على امتداد عقدين من الزمن، على شكل موجات ممتابعة من القبول والرفض، لم تقتصر على الجوانب الأدبية في الرواية، بل تعدتها إلى محاكمة كل جوانب الحياة المصرية عهد جمال عبد الناصر، السياسية والاجتماعية والثقافية، وإلى جوانب الحياة الشخصية والفكرية لنجيب محفوظ نفسه.

فرضت منهجية البحث في التاريخ الموازي على محمد شعير أن يوثق كل ما كتب حول الرواية، في الصحافة المصرية والكتب التي تناولت الرواية وكاتبها؛ الأخبار المجردة، والمقالات النقدية، والآراء السياسية، والحوارات، والشهادات المكتوبة والشفوية، والتعليقات، والقرارات الرسمية، والبيانات الصادرة عن الأزهر والمراكز الدينية، وجهود المترجمين الأجانب وآراءهم فيها.

يبدأ محمد شعير سيرة “أولاد حارتنا” من بدايتها؛ أنه في خريف سنة 1959، أعلنت صحيفة الأهرام المصرية الكبرى عن بدئها نشر فصول القصة الطويلة الجديدة للكاتب نجيب محفوظ؛ أولاد حارتنا التي بدأ بكتابتها في خريف السنة السابقة، وجاء في الإعلان أنها اشترت من الكاتب حقوق النشر الصحفي مقابل ألف جنيه مصري، وهو أعلى أجر تدفعه صحيفة لكاتب في ذلك الزمن.

جاء الإعلان عن الرواية بعد صمت طويل أعلن محفوظ خلاله اعتزاله الكتابة، واستمرت فترة الصمت خمس سنوات 1952- 1957، وأسماها محفوظ سنوات اليأس أو سنوات الجفاف. وكان رئيس تحرير الأهرام آنذاك محمد حسنين هيكل. وقرر أن ينشر الرواية بشكل يومي، لا أسبوعي كما جرت العادة في نشر الأعمال الأدبية.

يكشف محمد شعير عن أوجه التلقي المتباينة تجاه الرواية حمالة الأوجه، في مبناها ومعناها. ويشير إلى أن نجيب محفوظ كان مدركاً لخطورة العمل المقدم عليه، ففي معرض رده على سؤال لمجلة الجيل عن موضوع روايته القادمة، قال محفوظ: “أرجوك اعفني من هذا السؤال”.

اقرأ أيضا : لسان الأدب نجيب محفوظ

ولما ألح الصحفي على محفوظ ليقول شيئاً عن الرواية، رد محفوظ: “إنها قصة من نوع جديد، لم أكتب مثله من قبل. لذلك أنا متهيب جداً، متهيب جداً”.

لم يكن نجيب محفوظ متمرداً بلا قضية، على غرار جيمس دين في الفيلم الشهير. ولم تكن روايته مجرد “رواية عادية عن حارة مصرية يقع فيها صراع بين مجموعة من الفتوات”.

بل كان يسعى إلى إثارة جملة من القضايا الفنية والفكرية الملحّة عليه، والتي يرى أنها من صميم واجبات الأديب: “أؤمن بالأدب الجيد، أعني الأدب العميق، الشامل، الإنساني، الذي يعالج مشاكله بجدية وإخلاص”.

ويؤكد محفوظ على المعيار الأدبي في تقييم الأدب: “الصراحة المكشوفة في الأدب تكون كالصراحة في الطب والشريعة، من شأنها أن تحمل القارئ على التفكير والسمو، لا الانحطاط والابتذال، وستجد لها مثلاً في التوراة والقرآن…

ولعل الخوف مما يسمى بالأدب المكشوف لا يجيء من كونه مكشوفاً بقدر ما يجيء من كونه تافهاً سطحياً لا همّ له إلا الإثارة والتجارة”.

صدقت تهيُّبات محفوظ تجاه روايته، وفاقت العاصفة التي أثارتها كل توقعاته. ويتتبع محمد شعير محاولات محفوظ للإنحناء أمام العاصفة حتى تهدأ، وحشده لكل ملكاته المعروفة عنه في الحلم والحكمة والصبر، للردّ على الاتهامات التي طالت روايته وفكره وشخصه، وتوظيف ثقافته ومعارفه الأدبية والفلسفية في شرح مقاصد الرواية الفنية والفكرية.

يذكر محمد شعير أن صحفياً ذكياً كان يشاطر محفوظ وعيه بخطورة الرواية، هو محمد حسنين هيكل، الذي كان يرأس تحرير الأهرام آنذاك: “قرأت الرواية في ليلة واحدة، وقررت نشرها على الفور وبشكل يومي، لا كما كان يحدث من قبل بأن تنشر الأعمال الأدبية بشكل أسبوعي…

وهذا القرار اتخذته لسببين، الأول أن حجم الرواية كان كبيراً، ونشرها أسبوعياً سيستغرق عاماً كاملاً، وقد يتيح ذلك لمن يريد أن يستغل الرواية دينياً أن يطالب بوقف نشرها. والسبب الثاني لأنني أدركت رسالة الرواية وخطورتها”.

دافع محفوظ عن نزعة التجديد في الشكل الفني، بالقول إنه كان ضرورة: “إن كاتب الواقعية ملّ الواقعية، زهق من آلام الناس ومظاهر حياتهم المباشرة، ولم يعد هناك جديد يكتبه عنهم”.

يرصد محمد شعير دوائر الأثر المتنامية التي أحدثتها الرواية في مياه الحياة الثقافية والسياسية المصرية، وصولاً إلى جمال عبد الناصر، الذي تنامت إليه عاصفة الاعتراضات على الرواية، وكان يحاول أن يدير أجنحة السلطة المتعارضة المصالح والتوجهات الفكرية، بين علمانيين وإسلاميين واشتراكيين ومحافظين، وحسم أمره بالانحياز لمحفوظ في منع تنفيذ أمر اعتقاله، الذي أصدره المشير عبد الحكيم عامر، وقال له بالنص الحرفي: “إحنا عندنا كام محفوظ”.

ويرصد محمد شعير طيفاً واسعاً من المواقف النقدية من الرواية، تعكس توجهات أصحابها، وبعضهم تخفى خلف اسم مستعار، وتراوحت بين الشخصي والموضوعي، والفني والأخلاقي والسياسي.

وكل هذه الآراء كانت تعبر عن الحيرة تجاه المنحى الرمزي في الرواية. ومن الأمثلة الملفتة رأي الناقد أحمد عباس صالح: “الرواية في رأيي استعارة من الرؤية الماركسية للتاريخ، الذي مرّ بخمس مراحل تنتهي بالمرحلة التي يسودها العلم وتقنياته، وهي رواية تحاول التوفيق بين الرؤية الدينية والرؤية العلمية”.

ويسجل محمد شعير رد يوسف السباعي على من يسميهم “الحانقين على نجيب محفوظ، لأنه يرمز بشخصيات روايته إلى الرسل”: “إن محاولاتهم إجراء عملية تطابق بين الشخصيات التي يرمز بها محفوظ إلى الرسل، وبين الرسل أنفسهم، هي عملية في ذاتها لا تخلو من التجني، لأن الرمز في الأدب لا يمكن أن يطابق بكل حذافيره الأصل، وإلا لما كان هنالك داعٍ للرمز…

وإذا كان كذلك، فلماذا لا يوفر محفوظ على نفسه كتابة القصة، ويوفر الرموز، ويروي لنا سيرة الرسل كما أنزلت في الكتب السماوية، وكما رواها التاريخ”.

ويسجل محمد شعير دفاع الكاتب سليمان فياض عن الرواية بالقول إنها بداية المرحلة الروائية الثانية في تجربة نجيب محفوظ، وتتميز “بإدراكه لقيمة الرمز في العمل القصصي، الرمز في الشخصية والموقف والحدث، ذلك أن الرمز هو رداء الفنان وسلاحه في أرض الكلمة”.

وجد نجيب محفوظ نفسه عرضة للتشكيك والتخوين في أسوأ الأحوال، أو لسوء الفهم في أحسن الأحوال. ويذكر محمد شعير أن محفوظ اضطر في أكثر من مناسبة لشرح قضية الرواية: “القصة تصور هذا الصراع المرير الذي تزعمه الأنبياء والرسل دفاعاً عن الفقراء، ولكن ما أن تنتهي الرسالة حتى يعود الأغنياء فيقبضون على زمام الأمور، وتعود المعركة من جديد للوصول إلى العدل والرفاهية للجميع…

ثم تدخل العلم بعد انتهاء الرسالات ليقوم بنفس الغاية وهي إسعاد الناس. لكن المستغلين سخروا العلم لمصلحتهم أيضاً، وقتلوا رمزه في القصة”.

وبعد مجيء عصر السادات، أخذ محفوظ يتحدث بحرية عن الوجه السياسي من وجوه الرواية. ويقطف محمد شعير جانباً من حوار أجراه محفوظ مع جريدة القبس الكويتية في السبعينيات: “بدأت أشعر أن الثورة التي أعطتني الراحة والهدوء، بدأت تنحرف وتظهر عيوبها…

وبدأت أشعر أن هناك أخطاء وعيوباً تهز نفسي، خاصة عمليات الإرهاب والتعذيب والسجن. ومن هنا بدأت كتابة روايتي الكبيرة “أولاد حارتنا” والتي تصور الصراع بين الأنبياء والفتوات. كنت أسأل رجال الثورة: هل تريدون السير في طريق الفتوات أم الأنبياء؟”.

تجدد الجدل حول الرواية بعد فوز محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988. ويسجل محمد شعير الجدل الذي دار في أروقة مؤسسات الحكم في مصر حول إعادة طبع الرواية، ويذكر أن القرار حسمته الدوائر الأمنية بعدم صلاحية الجو العام لنشر الرواية، خصوصاً لاشتداد نفوذ التيارات المتطرفة دينياً.

وقد وجد محفوظ نفسه مضطراً إلى تكرار شرحه لمقاصده الفلسفية والسياسية والفنية التي حمّلها روايته. ولم يَحُل دفاع محفوظ عن روايته دون تعرضه لمحاولة الاغتيال المؤسفة عام 1994.

ولم تنته المتاعب التي سببتها الرواية لصاحبها عند حد الاعتداء بقصد القتل، فبعد عام من محاولة الاغتيال، يحكي محمد شعير أن محامياً عن “الجماعات الإسلامية” أقام دعوى قضائية ضد محفوظ بتهمة “ازدراء الأديان، وإضافة اسم جديد إلى أسماء الله الحسنى هو الجبلاوي”.

ودعا المحامي إلى إيقاع عقوبة الحبس والغرامة بحق محفوظ، وإلى التفريق بينه وبين زوجته، كما حدث مع المفكر نصر حامد أبو زيد.

توفي محفوظ عام 2006، ولم يتحقق شرطه بعدم طبع الرواية في مصر إلا بموافقة الأزهر ومباركة شيخه.

لكن الرواية تحولت إلى إحدى كلاسيكيات الأدب العربي، وصار كلّ ما أثارته من جدل وصراعات جزءاً من تاريخ الكاتب الخالد، ومن تاريخ الحياة السياسية والفكرية والأدبية المصرية.

لكن سؤال القيمة الأدبية لرواية “أولاد حارتنا” يظل قائماً، فما موقع هذه الرواية من تجربة محفوظ الروائية، وهل استحقت كل هذا الاهتمام من قيمتها الفنية أم من جرأة موضوعها، وهل تقف على قدم وساق مع أعمال محفوظ العظيمة الأخرى، كالثلاثية، واللص والكلاب، وثرثرة فوق النيل، وحكاية بلا بداية ولا نهاية؟

قد تكون قراءة جورج طرابيشي أكثر القراءات موضوعية من الناحية الفنية، بشهادة محفوظ نفسه: “بصراحة أعترف لك بصدق بصيرتك، وقوة استدلالاتك، ولك أن تنشر عني بأن تفسيرك للأعمال التي عرضتها هو أصدق تفسير بالنسبة إلى مؤلفها”.

يرى طرابيشي أن محفوظ وقع أسيراً للسرد التاريخي في “أولاد حارتنا”، بل إنه “لم يستطع أن يعطي حياة الأنبياء الثلاثة أبعادها العميقة الفعلية”.

بمعنى أنه لم ينجح روائياً ولا مؤرخاً؛ “جاءت صور الأنبياء مهزوزة مبتورة ودون الواقع كمالاً وامتلاء وعمقاً، وأكثر تسطيحاً وأحادية. ولم يتمكن من أن يضيف إليها أبعاداً جديدة أو شخصية”.

فهل كانت “أولاد حارتنا” بعد هذه السيرة الطويلة المفرحة المتعبة إلا سقطة أدبية، وتمرداً مستعجلاً من أديب شديد التأني؟

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى