ثقافة وفنون

خمسة كتب تزيح الملل في العزل الاجتماعي

لا أحد يُجبرك على شيء، نعرف أنك مصاب ببعض الغضب بسبب أن الكثيرين على وسائل التواصل الاجتماعي يُلِحّون في أن تقضي الوقت في تعلُّم مئات المساقات وقراءة آلاف الكتب، بينما ترغب في بعض السكون على الأريكة وأنت لا تفعل أي شيء على الإطلاق، كلنا نشعر بهذه الرغبة المُلِحَّة في فعل لا شيء، لكن هل يمكن أن يساعدك ذلك على تجاوز كل القلق المصاحب للأجواء الجديدة التي نمرّ بها جميعا؟

يمكن لك أن تستمر أسبوعا أو أسبوعين بدون فعل أي شيء، لكن مع مرور الوقت سيتزايد حجم التوتر شيئا فشيئا حتى لا تكون قادرا على تجاوزه، لكن إحدى أهم الطرق التي يمكن أن تساعدك على تخفيف هذا الحمل هو أن تتبع روتينا يوميا يشمل ممارسة الرياضة أو التعلّم أو العمل أو حتّى الترفيه، والفكرة ببساطة أن تشعر أنك مُطالَب بفعل شيء ما، يعيدك ذلك -ولو بشكل جزئي- إلى طبيعة يومك المعتاد.

في كل الأحوال، فإننا سنحاول في هذا التقرير، قدر الإمكان، أن نقف على نقطة بسيطة تجعل من هذا الروتين شيئا على قدر من المتعة، فقد راعى الكاتب أن تكون اختياراته دسمة معرفيا، لكنه اهتم أيضا، إلى جانب شروطنا المعهودة التي تتضمن البساطة، أن تساعدك تلك المجموعة من الكتب في تحقيق رؤية مختلفة للعالم من خلال ما يعرضه المؤلف من أفكار مثيرة جدا للاهتمام.

دعنا مثلا نبدأ من ديفيد إيجلمان، عالم الأعصاب الأميركي من جامعة ستانفورد، حيث يُقدِّم لنا في كتابه “الدماغ: أسطورة التكوين” (The Brain: The Story of You) جرعة ممتعة جدا عن خصائص غاية في الغرابة لهذا العضو الذي يبلغ من الوزن أقل من كيلوغرام ونصف فقط، في ستة فصول يفتح الكتاب الباب لك، لا للإجابات عن أسئلتك، بل لعشرات الأسئلة الجديدة التي ستطرحها بعد أن تُنهي كل فصل منه، لذلك فإن كلًّا منها يبدأ بسؤال.

هل كل ما حولك، كل ما تراه وتسمعه وتدركه بشكل عام، حقيقي؟ ربما يكون ذلك غريبا بعض الشيء، لكن الإجابة هي أنه ليس كذلك، في الحقيقة فإن ما ندركه هو أقرب ما يكون إلى تشوّه نتفق عليه جميعا، لكنه ليس الواقع بحقيقته، هل تتخذ أنت قراراتك بنفسك؟ هل تمتلك حرية الإرادة؟ هل هناك أشياء لا تدركها ولكن تؤثر في قراراتك؟ هل أنت فقط مجرد مجموعة من الإشارات العصبية المتفاعلة معا بشكل معقّد أم أنك “أنت”؟ حسنا، هذا الكتاب عن العقل قادر حقا على نسف عقلك بسبب قدر الإثارة الذي يُقدِّمه، خاصة مع أسلوب إيجلمان البديع حقا في تقديم علم الأعصاب، وهو واحد من القلائل جدا الذين يمتلكون مقدرة بهذه السلاسة في هذا النطاق.

   

الآن دعنا نترك علم الأعصاب جانبا ونتساءل قليلا مع جاريد دايموند، أستاذ الفيسيولوجيا من جامعة كاليفورنيا الذي أصبح فيما بعد أستاذا للجغرافيا في الجامعة نفسها وتنوّعت اهتماماته كذلك بين التاريخ والأنثروبولوجيا، عن أصول حضارتنا المعاصرة، هل نشأت بسبب ذكائنا أو قدراتنا على التحمل فقط، أم أن أسبابا أخرى تقف في خلفية كل تقدم أحرزناه؟ يصب ذلك في سؤال آخر مهم وهو: لِمَ تقدّم المجتمع الأوروبي بينما بقيت الشعوب البدائية في أفريقيا وأستراليا والأميركتين بدائية؟

في هذا الكتاب الخاص بدايموند، “أسلحة وجراثيم وفولاذ”، فإنك على موعد مع جرعة إثارة استثنائية لا شك، ستتمكّن خلالها، ليس فقط من التعرف على سر هذا الفارق الهائل بين الأوروبيين والشعوب البدائية، ولكن أيضا ستتعرف إلى أصولنا السحيقة خلال أكثر من 10 آلاف سنة مضت، وكيف كان لأشياء مثل الحيوانات التي استأنسناها أو الحبوب التي أكلناها تأثير عظيم على خط سيرنا التاريخي كله. لا شك أن هذا الكتاب سيكون إحدى العلامات التي تتذكرها دائما بالخير.

     

من التاريخ والأنثربولوجيا دعنا نتحدث عن كتاب ربما لم يسمع به الكثيرون منّا، للأسف لم يُترجم إلى العربية بعد على حد علمنا، وهو “علم نبات الرغبة” (The Botany of Desire) لمايكل بولان الصحفي واسع الشهرة وأستاذ الممارسة غير الروائية في جامعة هارفارد، الكاتب معروف بكتاب آخر شهير مترجم للعربية وهو كتاب “قواعد الطعام” الصادر عن دار نشر جرير قبل فترة.

لفهم سر جمال هذا الكتاب دعني أبدأ بسؤال بسيط: ماذا لو كانت التفاحة هي مَن يتخذ القرار إن كنت ستأكلها أم لا؟ قد تتعجب من ذلك، أنت مَن رآها في السوق، كانت حمراء ومنتفخة بشكل جذّاب، ثم أخذتها للمنزل، ثم في لحظة ما بين طعام الغداء والعشاء قرّرت التهامها بينما تقرأ كتابا ممتعا، لكن ماذا لو أن التفاحة هي التي طوّرت من نفسها لتناسب رغباتك في التهام شيء جذّاب الشكل ذي طعم سكّري ساحر؟

في هذا الكتاب يعرض بولان لنا سلوكنا نحن البشر عبر تاريخنا كله، لكن من خلال وجهة نظر تفاحة، وثمرة بطاطس، وعود قنّب (الماريجوانا)، ووردة تيوليب جميلة، مستخدما آلية الانتخاب الطبيعي البسيطة وما نعرفه باسم التطور المشترك لفهم كيف أمكن لهذه النباتات أن تخترق حياتنا وتجذبنا إليها أكثر فأكثر لدرجة أن التفاح كان يوما ما هوسا عالميا، أو حينما كان التيوليب سببا في فقاعة اقتصادية أوروبية هائلة، أو فقط ربما نفهم سر هذا الانجذاب الشديد لنبتة القنب لدرجة أن بعضنا قد يدخل السجن في سبيل الحصول عليها، كيف غيّرت تلك النباتات حياتنا بينما نظن أننا مَن غيّر حياتها؟

    

هذا مثير حقا للانتباه، لكن الأكثر إثارة لا شك هو شخصية بول ديراك، الفيزيائي واسع الشهرة الحاصل على نوبل وأحد مؤسسي ميكانيكا الكم، كان هذا الرجل شخصية معقّدة للغاية، قليل الكلام بشكل يدعو للتعجب، حتّى إن مُحاورا من “جورنال ولاية ويسكنسون” -ذات مرة- قد تمكّن بعد جهد طويل من الحصول على 20 كلمة فقط من ديراك في حوار معه، تراوحت بين “نعم” و”لا” وأُضيف إليها “الشطرنج الصيني” حينما سُئل عن أحب الألعاب إلى قلبه، وإجابة أخرى “مرة في سنة 1920 وربما أخرى سنة 1930” حينما سُئل: “متى ذهبت إلى السينما؟”.

للوهلة الأولى، يبدو ذلك شيئا غاية في القسوة والبرود، وقد ظهر ديراك بالنسبة للبعض كشخص مغرور، متأفف، وقح ربما، له ذات متضخمة، لكن ذلك لم يكن حقيقيا، فقد كان شخصا بسيطا يسهل إحراجه، وكان فقط يود أن يعيش أبسط حياة ممكنة بحيث لا يتدخل إلا فيما يعنيه، في كتابه “أغرب الرجال: الحياة الخفية لبول ديراك” (The Strangest Man: The Hidden Life of Paul Dirac)، يُشير غراهام فارميلو الكاتب الشهير في نطاق السِّيَر إلى الكثير من الملامح الملهمة، بجانب الكثير من الحكايات المثيرة جدا للانتباه، في حياة هذا الرجل الغامض ذي البُعد الواحد.

      

وأخيرا، دعنا نغير نمط اقتراحاتنا قليلا مع كتاب قد يبدو باردا للغاية من عنوانه، وهو “الطب الإمبريالي والمجتمعات المحلية” من تحرير دايفد أرنولد، وهو مختلف فعلا في عدة أشياء، فموضوعه هو تاريخ الطب الغربي في المستعمرات في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأسلوبه بالفعل بارد بعض الشيء، كذلك فإنه -على سهولته وسخريته- يتخذ نمطا ليس بسهولة الكتب الأولى، لكن هناك هدف واحد بسيط من وضعه في هذه القائمة، وهي أنه قد يُغيّر وجهة نظرك قليلا بكل بساطة عن طبيعتنا نحن البشر.

ستفهم ما نقصد حينما تتأمل حكايات الهنود مع الإنجليز ومصل الجدري الذي جلبوه على سبيل المثال، أو كيف أبهر السكان الأصليون لنيوزيلندا -وهم المتأخرون مئات الأعوام عن العالم المعاصر- البحّارة الإنجليز بنظام حياتهم الرياضي والصحي والمتفاعل مع الطبيعة، أو كيف استجاب الناس في أفريقيا جنوب الصحراء لقدوم الاستعمار وطبّه إلى بلادهم، لوهلة قد تظن أنهم كانوا مجرد مجموعة من الجهلة الذين رفضوا العلاج لأمراضهم، لكن ما إن تهدأ قليلا وتمضي مع الكتاب حتّى تجد أن لهم مبررات قوية، مبررات هي الآن أحد النطاقات التي تدرس تاريخ الاستعمار كفكرة وفلسفة.

   

حسنا، انتهينا من ترشيحاتنا التي نَعِدُك أن تكون حقا ممتعة مع بذل الجهد في سبيل هضمها. الأهم دائما ليس الكتاب نفسه، ليس الورق أو الحبر أو المفاهيم أو المعلومات المعروضة عليك، قد تكون الكلمات صعبة، وقد تكون الاصطلاحات معقدة خاصة في غير الروايات، وقد تحتاج إلى بذل بعض الجهد في سبيل فهم نقطة ما، لكن الأهم دائما هو وجهة النظر التي ستحصل عليها مع كل كتاب، والتي ستُغيّر فكرتك عن هذا العالم بغرابته وتعقيده، والتي ستُغيّر بدورها فكرتك عن نفسك، بحيث تصبح خلاصة هذا الكتاب جزءا من ذاتك، من الطريقة التي ترى بها كل شيء آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى