ثقافة وفنون

حب التصوير.. ما بين “صورة أمنيّة” و”الظروف العاطفية”

يحمل المهندس سعدي هاتفا ذكيا يحتوي على مئات الصور، مخزنة في ذاكرة الكاميرا وفي معرض الصور، وفي ألبومات مفروزة ومصنفة ومؤرشفة حسب الأشخاص والأماكن والمناسبات.

ويحتفظ سعدي بأصول ثابتة من هذه الألبومات في حسابات مشفرة داخل سحابات افتراضية في مكان غامض. ويحتفظ بنسخ أخرى منها في مستودعات بيانات خارجية ذات سعة هائلة قادرة على استيعاب كل ما أنتجته البشرية من كتب.

يستطيع سعدي أن يمحو كل هذه الصور بنقرة واحدة على خيار الإزالة فتختفي الوجوه والمناسبات والأمكنة والأزمنة وتذهب إلى العدم. لذلك أصبحت كلمة “إزالة” مصدر قلق دائم له.

وإذا ضلّ إصبعه الطريق بين الخيارات واصطدم خطأ بنقرة “الإزالة”، فاختفت صورة من الصور التي تجمعه بصديقه خالد في مقهى “فيروز”، بتاريخ معيّن، فإنه يسارع فوراً إلى استرجاعها من مكبّات العدم، وإنزالها في مكانها من الأرشيف.

خالد صديق مقهى، وليس صديق حياة، يشارك سعدي الطاولة خلال مباريات الكلاسيكو، وينضم إليهما أحياناً زبائن آخرون لم يجدوا مقعداً في المقهى المزدحم بالمشجعين، ويتركون الطاولة فور انتهاء المباراة من دون أن يحدث تعارف بينهم وبينه.

تعليقات خالد على مجريات المباريات أضحكت سعدي أكثر من مرة، ودفعته إلى تحويل نظره عن شاشة هاتفه الصغيرة إلى شاشة التلفاز الكبيرة، والنظر إلى حركات اللاعبين من منظور خالد الذي يفتقر فقراً شديداً إلى الموضوعية، لكنه شديد الطرافة إذا نظرت إليه من الزاوية الكاريكاتورية التي يبدع خالد في رسمها.

ولأن كلّ متابعي مباريات كرة القدم يفتقرون إلى الموضوعية، ولديهم رسومهم الكاريكاتورية الخاصة لمجرياتها، وإن كانت تخلو من البراعة التي يملكها خالد، كان سعدي وحده من يتابع تعليقات هذا المشجع الساخرة ويهتمّ بها أكثر من المباريات.

ألبوم الصور الذي سمّاه سعدي “خالد الكتالوني”، لأنه لا يعرف اسم عائلته، يحتوي على خمس وعشرين صورة مخزنة في كل أماكن التخزين الرقمية المتاحة في زمننا الراهن، ولكنك إذا فتشت في الصور المطبوعة، والمحفوظة في ألبومات في خزانة ملابس السيدة خِتام، فلن تجد أياً منها.

تهتم ختام بصور خالد الكتالوني في ظروف معينة، يمكن تسميتها “بالظروف الأمنية”، أما تلك الصور المحفوظة في خزانة ملابسها، فالاهتمام بها يظهر في ظروف مختلفة كلّ الاختلاف، ويمكن تسميتها “بالظروف العاطفية”.

صور الظروف الأمنية مؤرخة تأريخاً دقيقاً، لأن عدسة الأجهزة الذكية لا يمكن أن تلتقط صورة من دون أن تسجل تاريخ الالتقاط، سنة وشهراً ويوماً وساعة ودقيقة وثانية.

صور الظروف العاطفية يخلو معظمها من تواريخ الالتقاط وأماكنه، وبعضها يحمل تاريخاً مكتوباً بخطّ يد مجهولة على ظهر الصورة، لكنّ اليد المجهولة التي تذكرت أهمية تسجيل التاريخ، أغفلت، إضافة إلى التعريف عن نفسها، تعريف المكان. الأمر الذي يعد نقصاً كبيراً في قيمة الصورة من الناحية الأمنية، لكنّ ختام تتسامح عن هذا النقص، وهي تقلب ألبومات الصور العائلية، ويكتسي مُحيّاها بملامح تأملية حنونة، مختلفة تماماً عن ملامح قاضي الجنايات الكبرى الخالية من أي تعبير، وهي تتفحص الصور في الظروف الأمنية.

والأهم من كل ذلك أنها تُنشِّط ذاكرتها الدماغية الحية في تعويض النقص التوثيقي في الصور المغفلة المكان والزمان، وتعصر ذاكرتها في محاولة تحديد تاريخ تقريبي للصورة، وتستنطق في سبيل ذلك عناصر الصورة؛ الوجوه والملابس والأشياء، لتخرج بحكم نهائي بأن هذه الصورة: “التقطها أخي عبد الله، في عيد ميلاد جنى التاسع، في بيت أهلي، وكانت إيمان حاملاً بحمّودة بشهرها”.

لا تفكر ختام باستعمال ذاكرتها الحية في إثبات صدقية الصور، أو نفيها، في الظروف الأمنية، كما أنها لا تفكر باستعمال ذاكرة سعدي الحية أيضاً، ولا تقبل شهادته الشفوية. وكل ما يلزم سعدي في هذه الظروف لا يعدو القيام ببحث سريع في أرشيفه المصور، فيستخرج الدليل المطلوب خلال جلسة التحقيق الأمني، ويعرضه مؤرخاً على شاشة هاتفه أمام ناظريها، أو يرسله عبر الواتساب أو الماسنجر، أو أيّ قناة تواصل أخرى مستخدمة في التحقيق. وعدم ردّها على الرسالة المصورة يعني انتهاء التحقيق، إلا إذا طلبت دليلاً إضافياً، فإنه يصلها خلال ثوانٍ.

وقد أضحت مثل هذه التحقيقات إجراء روتينياً في حياة سعدي، لا تستدعي الاستجابة له تبليغاً مسبقاً، أو مهلة طويلة لإعداد الردّ، لا شيء غير عدد محدود من النقرات على شاشة هاتفه، يفعلها حتى أثناء قيادته السيارة، أو قضائه حاجته في الحمام. أو عرضه التوضيحي لخطة عمل القسم المستقبلية في اجتماع المديرين، أو خلال مواعيده السرية التي تعلّم تغطيتها بتنظيم برنامجه اليومي تنظيماً دقيقاً.

بعض هذه الأدلة الدامغة تعود لجلسات مقهى مع خالد الكتالوني، وبعضها لاجتماعات عمل مسائية مع زملاء في المؤسسة، وبعضها لواجبات اجتماعية في صالات الأفراح وبيوت العزاء، وبعضها للمناسبات العائلية الكثيرة وتظهر فيها ختام نفسها. وكلها يظهر فيها سعدي متخذاً وضعية “السِّلْفي” في زاوية الصورة الأمامية العلوية، ماداً ذراعه على طولها، محاولاً إدخال أكبر عدد من الأشخاص في إطار الصورة، وحريصاً على إبراز هوية المكان، بالتقاط قطعة من الأثاث، أو لوحة معلقة على الحائط، أو واجهة مطعم معروف.

اشتهر سعدي بين معارفه بحبه للتصوير، وصار خالد الكتالوني على سبيل المثال لا يترك الطاولة إلا بعد أن يلتقط سعدي الصورة، وإذا تأخر في التقاطها، فإن خالد يتخذ وضعيته الكاريكاتورية، ويقرّب مقعده من سعدي، ويضع وجهه إلى جوار وجهه، ويقول له “أعطيها سلفي”. ولم يطلب خالد أبداً مشاهدة صورة من هذه الصور.

لا شيء يدعو سعدي للاعتراض على نظام حياته القائم على الفصل بين الصور العاطفية والصور الأمنية. ” إنه نظام مريح”. يعترف سعدي في جلسة سرية:

“الصورة فيه تكذب بالنيابة عني، فأنا لا أحسن الكذب، ولو سألتني ختام سؤالاً مباشراً، فلن أنجح في إخفاء الحقيقة. والحمد لله أنها تثق بالكاميرا أكثر مني. ولا تعلم أن الكاميرا أعظم اختراع لتزوير الحقيقة. صحيح أن كل صورة كاذبة وراءها مصور كاذب، لكنّ صناعة الكذب نَمَتْ وازدهرت وتوسعتْ بفضل آلة التصوير.”

“ليزا لي” شابة صينية جميلة، تمكنت من استقطاب مليون متابع على إنستغرام، وتعلقت أنظارهم بنمط الحياة النموذجية الذي أبدعت في صنعه بالكاميرا؛ أزياء ورحلات وحفلات ومغامرات. إلى أن نشرت صاحبة الشقة التي تعيش فيها “ليزا لي” صوراً لحياتها المخفيّة؛ قذارة في الحمام، وفوضى في حجرة النوم، وأوساخ كلاب تملأ الصالة، وبقايا وجبات متعفّنة في المطبخ.

والغريب أن المتابعين انقسم موقفهم منها؛ فقسم ألغى متابعتها، وقسم تمسّك بالصورة الزاهية، مفضلين الحقيقة الصناعية على الحقيقة الخام. وهكذا صارت “لليزا لي حياتان وحقيقتان مزدوجتان، لا تقل إحداهما عن الأخرى صدقا”.

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى