ثقافة وفنون

جورجي أمادو يتصفح الفيسبوك!

في آب/ أغسطس ولد الروائي البرازيلي الشهير جورجي أمادو سنة
1912. وفي آب/ أغسطس أيضا تُوُفِّي سنة 2001، قبل أن يخطر في بال أحد فكرة الفيسبوك
وتأثيره، لكنْ لسبب لا نعرفه عبّر أمادو عن طبيعة الفيسبوك من حيث تيه الحقائق في خضم
الأكاذيب التي لا تنتهي والتحزبات السياسية والأيديولوجية. أراد أمادو بوضوح أن يختبر
إدراك البشر لفكرة “الحقيقة” من حيث هي معطى مجرد؛ واقع قائم بذاته مستقل
عن انحيازاتنا. هل هذا ممكن؟

ما الذي حدث في ثورة 25 يناير في مصر؟ يمكننا البحث على الفيسبوك
لنجد آلاف الإجابات المتناقضة بتناقض انتماءات قائليها، بل أكثر من ذلك، سنلاحظ تناقض
الكثيرين ممن انتموا إليها وقتها، بل هللوا لانتصارها في حينه، ثم انقلبوا عليها حين
تربع خصومها على كرسي الحكم؟ الذين عاشوا يناير الحلم، لا يصدقون ما يرونه على السوشيال
ميديا من كيل الاتهامات لحلمهم ومن الفرح بالتنكيل بكل من مثّله أو حمله يوما.

حتى بعيدا عن السياسة، نلاحظ في كل “ترند” توجهات
متناقضة وحقائق كثيرة غير منطقية، لا يمكن تصديق أكثرها. تذكرنا ساحات السوشيال ميديا
أن البحث عن الحقيقة مهمة شاقة، محفوفة بالشتائم.

وكأنّ جورجي أمادو كان يطالع الفيسبوك قبل أن يصبح فكرة في
رأس مارك زوكربيرغ وأصدقائه. لذلك أبدع رواية جميلة، هي “عودة البحّار”.
يحاول عبرها استكشاف الطريقة التي نرى بها ما نعتبره “حقيقة”.

لأمادو روايات كثيرة، أبرزها “فارس الأمل” و”تريزا
باتيستا” و”عَرَق” و”عودة البحّار” و”الأراضي اللانهائية”
و”المحصول الأحمر” وغيرها. وقد حدّد أمادو اختياراته في الحياة باكرا. فلم
ينل شهادة الحقوق التي اختارها تخصصا جامعيا، واستسلم لغواية الأدب والسياسة. اختار
أن يكون صوت الملايين من المهمشين من أهالي منطقة “باهيا” البرازيلية الشهيرة،
حيث ينتمي.

ومع أنه انتخِب عضوا في البرلمان سنة 1946 ممثلا للحزب الشيوعي،
فقد ألغت الديكتاتورية العسكرية الانتخابات والحزب نفسه، ففرّ أمادو إلى أوروبا وتنقل
بين دولها حتى عاد سنة 1952 إلى البرازيل. ومع انحيازه السياسي الصريح لقضايا الفقراء،
لم يتورط في البروباغندا السياسية في رواياته، ولم يطبعها بطابع الشعارات السياسية،
دون أن يفقد انحيازه الدائم للمهمشين في حكاياته، ناشرا مظالم الفساد والاستعمار ونضال
كادحي باهيا ضدهم، في فضاءات سرده.

أما في “عودة البحّار” فهو يلعب على فكرة الحقيقة
ومدى نسبيتها. لذلك تبدو مختلفة نسبيا عن عالمه الروائي الذي اشتهر بارتباطه بالمهمشين.
من الملفت أن بعض مسلسلات نتفليكس الحديثة تنحو هذا المنحى؛ أي تأسر المشاهد بتعدد
أوجه الحقيقة، فنحن لا نعلم إن كان البطل مجرما أم عاشقا كبيرا، ولا يمكننا تأكيد ما
إذا كانت البطلة متواطئة مع جرائم حبيبها أم ساذجة بريئة، وهكذا.

تقع أحداث الرواية في قرية صغيرة من قرى باهيا. تغرق القرية
في تسلية عبثية هي تتبع الفضائح وإشاعات الحب بين فتيات العائلات القادمة لقضاء الصيف.
لكن يظهر فجأة قبطان عجوز، لتنطلق الأحداث وتتصارع الشخصيات. فالقبطان الثري فاسكو
موسكوسو يدعي أنه بحار قديم، حائز على أوسمة وتكريمات. ويسرد حكايات كثيرة عن مغامراته
وعاشقاته.

وفي ذروة المنافسة بين القبطان وموظف الجمارك بالمدينة باشيكو،
يضطر القبطان إلى إثبات ادعاءاته بقيادة سفينة بحرية إلى مدينة أخرى. وعلى متن السفينة
يلتقي بامرأة متعطشة للحب، يأسرها بحكاياته الكثيرة عن مغامراته في عالم البحار.

وبذكاء شديد يحيّرنا أمادو؛ هل القبطان بحّار قديم فعلا أم
مجرد أفّاق يسعى وراء امرأة مسكينة أخرى؟ يلقي أمادو بالكثير من الإشارات المتناقضة،
فمرة نصدق القبطان العجوز الذي جار عليه الزمن، ونكاد نعانقه على صفحات الرواية، متمنّين
له قصة حب كبيرة مع رفيقة السفينة، ومرة نستشعر كيف استطاع هذا الوريث الثري شراء كل
شيء بالمال، حتى ألقابه البحرية المزعومة، وكيف يُزَوِّر، بماله، أي حقيقة يحتاجها
ليجمل نفسه.

وقرب نهاية الرواية، يخدعنا أمادو بحيلة روائية بديعة. يسخر
طاقم البحّارة من القبطان المزعوم الذي كشفوه من البداية، لكنْ ظلوا يمثّلون احترامه
أمام الجميع طوال الرحلة. وعند الرسو، سألوه أمام الركاب، عن تعليمات التوقف عند الشاطئ
وسرعات السفينة. كان ذلك اختبارا حقيقيا لكونه قبطانا سابقا أم لا، وبالطبع أصدر أوامر
عبثية تسببت في “شحوط” السفينة على الرمل، لأنه أمر بزيادة سرعتها حيث كان
ينبغي تقليلها لقرب الشاطئ.

لم يكن القبطان يعرف شيئا عن الملاحة فأمر طاقم البحارة بالقيادة
بسرعة عشوائية، اختار أرقامها كيفما اتفق. وعند اندفاع السفينة إلى الرمال ذُعِر المسافرون
وصبوا عليه لعناتهم. وجاءت الضربة الأقسى من العاشقة المكلومة التي اكتشفت أن عشيقها
ليس قبطانا كبيرا بل مجرد نصّاب، يحاول نسج شباكه حولها. ألقت في وجهه خاتم الحب الذي
أهداه لها وغادرت السفينة دون أن تودعه.

يبدو أن الصراع قد حُسِم وأن القبطان قد خسر كل شيء. لكن
لا.

يتوارى القبطان الذليل في غرفة صغيرة مجهولة، طالبا من مسؤولة
الفندق الصغير عدم إيقاظه وعدم السماح لأحد بمقابلته أو طرق بابه لأي سبب. ثم ينام
متمنيا ألا يصحو أبدا، فكيف له أن يواجه الناس بعد تلك الفضيحة المدوية؟

لكن بعد ساعات، حين يفتح بابه ليطلب شيئا من مسؤولة الغرف
تخبره بأن المدينة كلها تبحث عنه وأنها أخفته عنهم بناء على طلبه، لكن الجميع مبهورون
به. فقد هبت عاصفة عاتية أغرقت جميع السفن الراسية في الماء، قبالة الشاطئ، ونجت سفينته
فقط لأنها كانت فوق الرمال. هكذا أدرك ركاب السفينة وطاقمها وأهل المدينة أن القبطان
العظيم كان بعيد النظر، مدركا من التيارات البحرية أن عاصفة قوية في طريقها إلى هنا،
وأنه لبُعد نظره، أخرج السفينة إلى الرمل لينقذها من الغرق؛ هو البحّار القدير الذي
استخف به الجميع، فاحتمل مرارته وانزوى حتى أثبتت العاصفة حنكته وقدرته!

هكذا بحث عنه الجميع آسفين. أما العاشقة المغدورة فقد جُنَّت
تماما، فقد فرّطت في عاشق لا يُعوَّض وأهانته واتهمته لأنها انساقت وراء طاقم السفينة
وركابها الجهلاء، بينما كان عاشقها في حاجة ماسة إلى يد حانية تمسح آلامه وتثق في موهبته
البحرية النادرة.

بالطبع لن يتسع المقام لتحليل لغة الرواية ومبناها، لكن تلك
الزاوية بدت لي رائعة، بالغة الصدق في الكشف عن رؤيتنا للحقائق في زمننا، وهو ما أعادني
إلى عالم الفيسبوك، الزاخر بالمتناقضات. لذلك، لا بد من تأمل الجملة القصيرة التي ألقاها
أمادو في وجوهنا في بداية الرواية، حيث كتب: “الحقيقة ملقاة في قاع بئر”.
فهي تبدو حكمة الرواية البديعة.

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى