ثقافة وفنون

جمالية التعبير في شعر مهدي نصير

ولد الشاعر مهدي نصير، سنة 1960م، في الزّرقاء، إحدى محافظات الأردن، ومن أعماله الشّعريّة: أساطير (2006)، مئة نشيد لأقمارها الهائجة (2008)، وتحوّلات أبي رغال الثقفي (2008)، قراءة في نقش صحراوي (2010) (1).

إنّ الأدب شعرًا كان أم نثرًا انعكاس لتجربة الأديب الشّعوريّة، وتصوير لانفعالات الذات، لهذا، يعد الأدب وسيلة أكثر قدرة من غيرها لنقل الأفكار والتعبير عن المشاعر، والبوح عن مكنونات النّفس.

يعد ديوان “قراءة في نقش صحراوي” للشّاعر الأردنيّ مهدي نصير، واحدًا من أعماله الشّعريّة، على أنّ الذي يستوقفنا هو العنوان؛ إذ يلوّح إلى إشارة نقديّة؛ ليدل على سعة ثقافة الشّاعر، وتعدد موارده.

عطفا على ما سبق، تتوزع هذه القراءة على شكلين: الأوّل قصيدة التفعيلة، والثّاني قصيدة النثر، وقصيدة النثر حسبما يراها المنظرون، هي القصيدة التي تفتقر النغمة الموسيقية، إلا أنّ لغتها تقترب إلى حد ما من اللغة الشعرية، والشعرية كما يراها العلّاق انحراف بأساليب القول عن شيوعه ومألوفيته”(2)، وتبعا لذلك، فإن نصير يجيد إلى حد ما امتطاء صهوة اللغة، على نحو ما يتجلّى في الصّورة التالية:

“صوتُكِ زوّادتي حين أخرجُ كي أتغسَّلَ بالضّوءِ

والمطرِ المُتساقط مثل هلالٍ

تُطوّقهُ نجمةٌ مِنْ زَرَدْ”

وعلى ذلك، أجدني وأنا أمضي في قراءة مهدي نصير مدفوعًا إلى قراءة البنية الفنّية والرّؤية القائمة في شعره.

من هذا المنطلق، ينهض شعر مهدي نصير في المجمل على اللغة الرّامزة، التي تستعصي على التأويل من الوهلة الأولى، هذا وتستمد فاعليتها من التعالق والتنادي بين النّصوص، والبناء الشكلي في النصوص الشعرية يأخذ طابع البنية القصصيّة، من حيث العناصر السردية، من حدثٍ، وزمان، ومكان، وراوٍ، ولنستمع إليه يقول في قصيدة “جلجامش البدوي”، متأثرًا بالبطل الأسطوري جلجامش، الذي يسعى إلى البحث عن عشبة الخلود، بعد أن أحسّ بالخوف على حياته:

“جئتُكِ بالعطرِ

والخيلُ جاءتكِ بالقمرِ

المختبئ بين الحشائش والنافذةْ

جئتكِ بالقمحِ

والماء جاءكِ بالغيمِ والأنهرِ الجارفةْ”

إذا كان جلجامش في ملحمته ربط حياته بعشبة الخلود، فإنّ مهدي نصير في هذه القصيدة يربط حياته وخلوده بفلسطين.

يحس القارئ أنّ الشّاعر مهدي نصير يركّز على المفردة اللغوية، تركيزًا يسترعي النّظر؛ من حيث معناها، ورسمها، وصوتها، وهذا الاهتمام باللفظة، المبنية على الانزياح، سمة ظاهرة من سمات شعر نصير، يقول في قصيدة “كرات متدحرجة”:

“إلَى أينَ تَقتادُكَ الجُثثُ النّائماتْ؟

لأيّ المَقابرِ سَوفَ تَحُطُّ

حُمولةَ تَاريخكَ المُتَدحرجِ مِثْلَ الكُرات؟

وَمَنْ ذَا سَيولِمُ مَوْتَكَ؟

مَنْ ذَا سَيَدْفنُ رَائحةَ العَفَنِ

المُتَراكِمِ فِيْ الطُّرُقَاتْ؟

إنّ ثنائيّة الأنا والآخر، تجتاح مساحة كبيرة في شعر مهدي نصير، وتغدو محورًا مهمًا في تشكيل الرّؤية، على أنّ هذه الثنائية غالبًا ما تكون في حالة توافق، يقول:

“أريدكَ أنْ تُعيدَ الموتَ صفوًا

وكأسًا نحتسيه معًا

وقيثارةً وندىً

وسنابل ناضجةً

ونشيدًا لعودتكَ الأبدية” 

تستمد جمالية الصورة في شعر نصير من لغة الانزياح، والتناص الجزئي المعتمد والمدروس للتركيب، وعلى سبيل التمثيل، نلاحظ أنّ التأثر بالقرآن واضح جدًّا في قصيدة “قمر عجوز”، حيث يقول:

“قَمَرٌ عَجوزٌ

بَاسِطٌ ذِرَاعَهُ عَلَى الشّبابيكِ الصّغِيرةِ

والمواقدِ

والأباريقِ التي غفتِ المياهُ بها

أيائلُ ضَامراتٌ نافرةْ”

مهدي نصير شاعر يمتشق اللغة، ويتصرّف في شعره وفق ما به، ويتمترس خلف الصّور غير المألوفة، ليشكّل نصًّا شعريًّا جماليًّا ممعنًا بالإغراب والإدهاش.

إضافة إلى ما سبق، إنّ نص نصير الشّعري كثيرًا ما يتعالق مع غيره من النّصوص التراثيّة، وما استدعاء شخصيّة ابن العلقمي إلّا شهادة دامغة على أنّ التّوظيف ينم عن وعي وإدراك، يتناسب مع الرّؤية الشّعريّة، وليس مجرد استعراض كما هو حاصل عند بعض الشّعراء للتدليل على مقدرته الفنية، بل على العكس، إذ يقول في “ثلاث رسائل من ركام غزّة”، الموزّعة على ثلاثة عناوين فرعيّة: رسالة إلى الذّات، ورسالة إلى العدو، ورسالة إلى العلقمي:

“قُلْ مَا شِئتَ

كُنْ مَا شِئتَ

هَذَا الوردُ لَنْ تقطفهُ

هذا الدم لن تلعقهُ

لن تعلفَ خيلك القِصَارَ والصّغار

مِنْ غَزّةَ يا أيّها السمسارْ” 

وبعدُ؛ فإنّ شعر مهدي نصير بالرّغم من أنّه يستمد طابعه البنائي والشّكلي من السّرد، إلاّ أنّ اللغة الشّعريّة غالبة وحاضرة بقوة، تستمد حضورها من الانزياح، والرّمز، والتناص، كما أنّ الرّؤية الشّعريّة تتمظهر حول فلسطين، وبالتحديد غزّة، والوحدة، والقلق، والرفض، والأنا، والآخر. وشعر نصير يحيل كذلك على موضوعات متعددة: في الحب، والمرأة، والوطن، والذات، والمقاومة، والتحدي.

وباختصار، شعر مهدي نصير، جدير بالدراسة والقراءة؛ نظرًا لما فيه من جمالية وفنية، ماثلة في اللغة العالية، والصّورة المبتكرة، ولا يعني هذا طبعًا أنّ شعر نصير يخلو من مآخذ نقدية، وإنما على العكس من ذلك تمامًا، على نحو ما نجد في غلبة الأسلوب السّردي بشكل طاغٍ، ولو أنّه تخفف قليلًا من هذا الاتّكاء الواضح على السّرد، يقيني لارتقى به إلى مصاف صفوة كبار شعراء العربيّة في العصر الحديث.

باحث وناقد مستقل ـ الأردن.

المصادر والمراجع
(1) انظر، معجم الأدباء الأردنيين، منشورات وزارة الثّقافة الأردنيّة، 2014، ص 295.

(2) علي جعفر العلاق: الدّلالة المرئيّة، قراءات في شعريّة القصيدة الحديثة، ط1 ـ 2002، دار الشّروق، عمّان، ص 30.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى