أسلوب حياةثقافة وفنون

جان بودان: من إشكالية السلطة إلى السيادة

يعد القرن السادس عشر في أوروبا قرن مخاض ظهور السياسي من رحم الديني، وفي بلدان ظل الديني والسياسي متداخلين فيه لقرون، كان طبيعيا أن تتخذ عملية المفصلة بين المجالين صراعا حادا بلغت ذروته الدموية في القرن السابع عشر.

ولما كان الإرث التاريخي الفكري الأوروبي واسع وعظيم (الفكر المسيحي، القانون الروماني، الفلسفة اليونانية) لجأ كل فريق إلى هذه الأدوات لدعم حججه.

إشكالية السلطة

خلال هذه القرون كانت الإشكالية السياسية في الفكر الغربي الأوروبي هي إشكالية السلطة وليست إشكالية الدولة، فالأخيرة بمعنى القوة ذات السيادة لم تكن موجودة في الفكر السياسي وإن كانت موجودة على الأرض.

كان العصر الوسيط يشجع على مفهوم الجامعة بمعناها اللاتيني، التي تعني شكل من أشكال الترابط ضمن وحدة واحدة، ولذلك، لم يكن الإمبراطور أو الملك آنذاك منفصلا عن الجماعة، بل هو جزء منها وإن كان الأول بين متساويين.

مرتبته الاجتماعية هذه ضمن الجماعة، سمحت للملك عدم إطاعة القانون بنفس الطريقة المطلوبة من رعاياه، لقد كان أدنى من الجماعة، أي من مجموع رعاياه، لكنه كان أعلى في مملكته من أي رعية من رعاياه، إذا أخذ على انفراد.

شكل القرن الثالث عشر تحولا مهما ، من نظام ملكي إقطاعي إلى نظام ملكي قومي، وتطلب الأمر عدة قرون قبل أن يصبح باستطاعة الملك القومي أن يسن بشكل سيد قوانين بمقتضى أعمال صادرة عن إرادته الحرة.

يتساءل برنار غينيه، هل وجدت حقا دول في أوروبا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر؟ ويتابع بالقول، إذا سلمنا بوجود دولة منذ أن يكون هناك إقليم ما وشعب يطيع حكومته، فمن البديهي وجود دول في هذين القرنين.

لكن هذا التساؤل بدا لكثير من المفكرين ليس في محله، فالمسألة المطروحة هي مسألة معرفة شخص السلطة، بعبارة أخرى، من المهم التمييز مع جيرار ميريه بين سلطة تعرف نفسها بوصفها هذه السلطة فقط، وسلطة تعرف نفسها وتفكر في نفسها بوصفها ذات سيادة.

في قرن جان بودان 1530 ـ 1596، مهد مكيافيلي الطريق حين فصل بين السياسي والأخلاقي، وحين ركز على فعل القوة في السيادة كما هي مجسدة في سلوكها (ميدان عملها)، لكنه لم يكتشف جوهر السيادة، وهي المهمة التي ستكون من نصيب جان بودان.

اهتم مكيافيلي بالشعب في حين اهتم بودان بالدولة، ولذلك نجح الأول في تحليل القوة التي يجسدها الأمير ضد شعبه وأعدائه للحفاظ على ملكه، أما بودان فقد قاده اهتمامه بالدولة وتفسير الدولة ككيان مجرد، إلى اكتشاف جوهر السيادة.

وإذا استعرنا عبارات جان جاك شوفالييه، كان بودان ينوي دحض مكيافيلي وإفحامه مرة واحدة وللأبد، باعتباره ممالقا وداعية للطاغية، وجاهلا بالقانون العام، فقد رفض الفصل بين الخير المطلق للدولة والخير المطلق للفرد، وبهذا، كان بودان وفيا لتعاليم أرسطو وأفلاطون والرواقيين، ومعارضا لواقعية مكيافيلي، بقانون الله والطبيعة والعدالة.

ستة كتب في المصلحة العامة

لما كانت فرنسا البلد الأول الذي اتضحت فيه معالم الوحدة السياسية المستقلة بذاتها (الدولة بالمعنى المتأخر)، فقد كان الجدال الفكري فيها قويا بين تيارات متنوعة لكل واحدة منها تقليدها وإرثها الفكري.

أحد هذه التيارات رفض العودة إلى الماضي العام البعيد (القانون الروماني) وفضل الاعتماد على الماضي القريب الخاص (الدساتير القديمة لفرنسا)، وكان بودان في كتابه “منهج للفهم السهل للتاريخ” على رأس هذا التيار.

اعتمد في ذلك على اثنين من هذه القوانين في فرنسا: قانون التوارث الذي يمنع النساء من تولي العرش، وقانون عدم إمكانية التنازل عن الأملاك العامة، كما استقى منها أيضا فكرة أن الأمير السيد لا يستطيع استيفاء الضرائب من الشعب وفق رغبته، إلا في حالات الضرورة.

وجد في دساتير فرنسا القديمة ما يسعفه لبناء حكم دستوري لا يكون فيه الملك سوى قاض أعلى، لكن بودان سرعان ما يغير رأيه في كتابه الآخر “ستة كتب في المصلحة العامة”، وبدأ يدافع عن الحكم المطلق.

كان بودان شاهدا على مذبحة سانت بارتيملي عام 1572 وشاهدا على للفوضى الناجمة عن ضعف الدولة، ولذلك رفض وهاجم مبدأ المقاومة الذي اتخذه الهجونوت (بروتستانت فرنسا) استراتيجية لهم، لأن هدف الحكم برأيه ليس تحقيق الحرية، وإنما تحقيق النظام.

لا يفهم من ذلك أنه كان داعما للنظام الاستبدادي، فما كان يهمه الدولة والسيادة، لذلك أجاز القضاء على الحاكم إذا كان مغتصبا للحكم، وأجاز إمكانية مقاومة الحاكم الطاغية عن طريق تدخل أمير من الخارج، وليس عن طريق الشعب.

نلاحظ هنا، أن فكرة الثوران الشعبي بدت مرفوضة في سياق القرنين السادس عشر والسابع عشر، وحتى منتصف القرن الثامن عشر، لأن ثورة الشعوب تكون عادة راديكالية ومدمرة.

يقول كوينتن سكنر إن بودان لم يتعامل مع عقيدة عدم المقاومة بوصفها نتيجة تحليلية لمفهوم السيادة، بل مضى إلى التعامل مع فكرة السيادة المطلقة بوصفها نتيجة تحليلية لمفهوم الدولة، وهذا ما شكل تطورا حاسما في تطور الفكر السياسي المطلق.

السيادة

تعريف السيادة يجب أن يتم عبر التفكير في مفاهيم الدولة والسمو السياسي في حد ذاتهما، وقد تباهى بودان بأنه لم ينجح أحد قبله أن يقدم مثل هذا التعريف.

عرف بودان السيادة SOVEREIGNTY بأنها السلطة الأعلى والمطلقة والدائمة على المواطنين والرعايا في الدولة، فالسيادة مرجع يؤمن الصالح المشترك للجميع وصالح كل فرد من جهة وروح الجمهورية من جهة ثانية، فلا تعد الجمهورية، جمهورية إن لم يكن فيها قوة سيدة توحد كل أعضائها وأجزائها.

يقول بودان:

الجمهـورية هـي حكم مستقيم لعـدة

بيوت ولما هو مشترك بينها بقوة ذات

السيادة.

وهذا يعني أن القوة ذات السيادة موجودة في ذاتها بمعزل عن المؤسسات التي تجسدها، بعكس ما كان الأمر في العصر الوسيط حيث السلطة مجسدة بشخص الملك وتقوم  على تبرير ممارسة السلطة بالله.

بالمقابل، رفض بودان ـ في موقف غريب لمن كانوا يقولون بالعقد الاجتماعي نهاية العصور الوسطى ـ تأسيس السيادة على حق الشعب أو الجماعة.

صحيح أنه تصور حالة طبيعية سابقة كما سنرى لاحقا عند فلاسفة الحق الطبيعي (هوبس، لوك، روسو) هي حالة حرية سابقة لوجود الدولة، لكن هذه الحالة الطبيعية لم تكن خالية من أي سلطة، فقد كانت هناك سلطة أب الأسرة.

تكمن علامة السيادة في سن القوانين ونقضها، أما مقرها، فهو الذي يحدد شكل الدولة / الجمهورية، إن هناك ثلاثة أنواع:

ـ الملكية عندما يمتلك فرد واحد السيادة.

ـ الأرستقراطية عندما يمتلك قسم ضئيل من الشعب السيادة.

ـ الديمقراطية عندما يمتلك الشعب كله أو أغلبيته القوة السيدة.

ـ المختلط عندما يكون خليطا من الاشكال الثلاثة السابقة.

رفض بودان الشكل الأخير الذي قال به كثير من الفلاسفة أمثال أفلاطون وأرسطو وشيشرون.

يقول في ذلك:

إن الــدولة ستحكم شعبيـا إذا وزع الأمير

الوظائف بالتساوي على الجميع، ويمـكن

للحكـم الفـردي أن يحكـم أرستقـراطيـــا

عندما لا يعطي الأمير المهــن إلا للنبـلاء،

كـذلك الإقطــاعية الأرستقـراطية يمكـن

أن تحكم شعبيا حيـن توزع الفوائد علـى

جميع الرعـايا بالتسـاوي، أمـا إذا كـــانت

أغلبية المـواطنين تمتلك السيـادة، وكان

الشعب يعطـي الـوظـائف للنبــلاء، فــإن

الدولة ستكون شعبية ومحكومة من قبل

أرستقراطية.

بالنسبة له، إن حكم الفرد هو أفضل أشكال الحكم، لأنه الشكل الطبيعي الأكثر قابلية لاختيار الرجال الحكماء، وقد يؤخذ على بودان أن الحكم الفردي إذا لم يكن مصانا بقوة القانون قد يخضع لمزاج الملك الفرد.

هذه النقطة يعيها بودان تماما، لكنه يفضل ذلك على حكم الشعب أو الحكم الأرستقراطي الأكثر سوءا.

حدود السيادة

إذا كانت السيادة من اختصاص الملك، فهذا لا يعني أن ثمة تطابق بينها وبين الملك، ولذلك يرفض بودان رفضا قاطعا اعتبار الملك مجسدا للسيادة.

تلتصق السيادة المطلقة غير القابلة للتجزئة بضرورة قيام حكم مستقيم، فإذا كان على الرعية أن تنحني أمام أوامر الأمير بلا قيد أو شرط، فإن الأمير ملزم بأن يعطي للقانون الذي يمليه مضمونا متفقا مع العدالة والعقل والقوانين الإلهية والطبيعية.

لكن بودان لا يوضح سبب هذه الصلة، ويبدو أنه إلزام أخلاقي شخصي لا قانوني، لأن الملك ذي القوة السيدة فوق الجميع، إنه يمثل السيادة والقانون.

في هذه النقطة، ما زال بودان محكوما برؤية العصور الوسطى التي تعتبر أن الحكام مقيدين بالقانون الإلهي وبالقانون الطبيعي، وهذا يعود إلى ضعف الجانب الدستوري لديه كما كان الأمر في بداية كتبه.

غير أن جورج سباين، يذهب إلى أن حالة التوتر القائمة في نظرية بودان ـ بين الرغبة في المحافظة على الدستور والرغبة في اعتبار التاج جهازا تشريعيا وتنفيذيا كامل الصلاحيات في المملكة ـ تعود إلى أن بودان أراد وجود دولة قوية تحت يد رجل واحد لمواجهة الاضطرابات في عصره من جهة، ورغبته في تقييد الملك بالدستور من جهة ثانية.

فلكي يضع نظرية متناسقة، كان على بودان أن يستقر على أي من الأمرين هو الأساسي: إذا كانت السيادة أساسا تفوق الملك، فعندئذ لن يكون للجماعة السياسية وجود إلا بحكم العلاقة بين الملك ورعاياه، ومن المستحيل أن يكون للمملكة قوانينها التي لا يستطيع الملك تغييرها.

وإذا كان الدستور فوق السيادة، فإن الاضطرابات ستضرب المملكة، ولحل هذه المعضلة، لجأ بودان إلى فكر العصر الوسيط كضامن ديني وأخلاقي للملك.

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى