أخبار العالم

“تقرير إسرائيلي”: يجب على إسرائيل تفعيل تدخلها بالمحافظات السورية الجنوبية وتقليل الاعتماد الكامل على روسيا

 

حذر تقدير صادر عن “معهد أبحاث الأمن القومي” بجامعة تل أبيب، مما دعاه “استغلال إيران لحالة الفوضى في جنوب سوريا، والعمل على إقامة جبهة هجومية في المنطقة”، رغم ضغوط الاحتلال الإسرائيلي وروسيا والولايات المتحدة.

 

واعتبر المعهد، في تقرير أعده “أودي ديكل” و”كارميت فالنسيا”، أن على الاحتلال تغيير استراتيجيته، و”تقليل الاعتماد على العوامل الخارجية، والمبادرة الفورية إلى سياسة نشطة وواضحة وحازمة في الملف السوري”.

 

وأضاف أن “جنوب سوريا ساحة خلفية لإيران، ومنصة لمهاجمة إسرائيل، ما تجلى بالنظر لخيارها للرد على اغتيال رئيس المشروع النووي محسن فخري زاده، وهي عازمة على المضي بإنشاء مهماتها، وزيادة نفوذها المدني والعسكري بالمنطقة”.

 

وتجدر الإشارة إلى أن “فالنسيا” هي مديرة البرنامج السوري للأبحاث، ومحررة مجلة “ستراتيجيك أبديت”، وخبيرة في الشرق الأوسط والدراسات الاستراتيجية والمفاهيم العسكرية، فيما “ديكل” هو الرئيس السابق لإدارة المفاوضات مع الفلسطينيين، وشغل وظائف عديدة في الجيش والاستخبارات والتعاون العسكري الدولي والتخطيط الاستراتيجي.

وأوضح التقرير أن “الواقع الفوضوي بهذه المنطقة من جنوب سوريا ينبع من عدم وجود سيطرة فعالة من قبل نظام الأسد، والمصالح المتنافسة للعديد من الأطراف العاملة هناك: قوات النظام، المليشيات المحلية بدعم إيراني، حزب الله، والقوات الروسية، والسنة والدروز، فضلا عن قوات المعارضة”.

 

ويتطلب هذا التعقيد، بحسب المعهد، التدخل في ما يجري بالجنوب السوري، “قبل أن تحقق إيران ما تريد، وتحقق نفوذا متزايدا في المنطقة”.

وأشار التقرير إلى أن الأسد استعاد في صيف 2018 السيطرة على المنطقة، بعد التوصل لمصالحة بوساطة من روسيا، التي تعهدت للولايات المتحدة والأردن والاحتلال بأنها ستعمل على إبقاء إيران خارج المنطقة، مقابل عدم تدخل تلك الأطراف.

 

وخلافا لترحيل سكان مناطق أخرى لشمال البلاد بعد اتفاقات الاستسلام، فلم يتم ترحيل الجنوبيين، بما فيهم عناصر المعارضة المسلحة، بل تم تجنيدهم بقوات الأمن المحلية الخاضعة لنظام الأسد.

 

خريطة معقدة

 

لكن التقرير وصف تلك السيطرة بأنها “شكلية”، إذ بقيت المحافظات السورية الجنوبية الثلاث تحت سيطرة وتأثير قوى مختلفة.

 

 

وأكبر تلك المحافظات هي درعا، التي يبلغ عدد سكانها مليون نسمة، معظمهم سنة، وبرز دورها في بدايات الثورة، وتتمتع اليوم بدرجة من الاستقلالية في إدارة الحياة اليومية بقيادة شخصيات نشطت في معارضة الأسد سابقا، وهي الآن مدعومة من قبل ما يعرف باللواء الثامن التابع للفيلق الخامس، الذي أنشأته روسيا كإطار فريد في ترتيب قوات الجيش السوري.

 

ولفت التقرير إلى أن المحافظة تشهد وجودا محدودا لعناصر نظام الأسد في المنطقة، فيما تنتشر في المقابل مليشيات الدفاع المحلي المدعومة والمدربة من قبل طهران، جنبا إلى جنب مع وحدات اللواء 313 الذي تم إنشاؤه كجيش منفصل تحت النفوذ والسيطرة الإيرانية، لمنافسة الفيلق الخامس، المحسوب على موسكو.

وانتقل الكاتبان للحديث عن المنطقة السورية الثانية وهي “القنيطرة في الغرب، وسكانها 90 ألفا من السنة، ووجود النظام وحزب الله فيها أكثر وضوحا”.

 

أما المنطقة الثالثة فهي السويداء، شرقا، وسكانها نصف مليون من الدروز، وتحت سيطرة العناصر الدرزية المحلية، بما في ذلك ما يعرف بـ”قوات الكرامة”.

 

ورغم الهيمنة الدرزية، فإن هناك حضورا متزايدا في هذه المحافظة للعناصر الموالية لإيران، خاصة قوات الدفاع الوطني”.

وزعم التقدير “الإسرائيلي” أن نظام الأسد “يستخدم المليشيات المدعومة من إيران لإحداث انقسامات داخل المجتمع الدرزي، وقمع تطلعاتهم بالحكم الذاتي في قطاعي السويداء والجبل الدرزي”.

 

وأسفرت عملية عسكرة سكان المنطقة، والتضخم بمراكز النفوذ في جنوب سوريا، بحسب وصف التقرير، عن “معادلة هشة للقوى المختلفة، وتميزت بمستويات عالية من العنف، والحوادث الأمنية، والفقر، وعدم الاستقرار”.

 

“أذرع إيرانية”

وأشار التقرير إلى أن “الديناميكيات السائدة في جنوب سوريا في الأشهر الأخيرة تشير إلى انتشار النزاعات بين الخاضعين للنفوذ الإيراني، وبين من يضعون ثقتهم في روسيا، وتنامي التنافس على النفوذ بين الجانبين، ما يعبر عن تضارب المصالح في المنطقة، رغم كونهما جزءا من التحالف الموالي للأسد”.

وزعم الكاتبان أن “إيران تسعى لترسيخ سوريا كشركة تابعة، من خلال التدخل العميق والمتعدد التخصصات في المنظومات السورية: الأمن والاقتصاد والتعليم والمجتمع والثقافة والدين، مع الاستيلاء على البنية التحتية الحيوية، ودعم الميليشيات الموالية لها، والمشاركة ببناء الجيش السوري، وقيادة التغيير الأيديولوجي والديموغرافي”.

 

 

وأضافا: “علاوة على ذلك، تقوم إيران بترسيخ وجودها في المحافظات الجنوبية السورية قرب الحدود مع إسرائيل، من أجل تشكيل جبهة احتكاك ومواجهة أخرى مع إسرائيل عبر مبعوثيها، ويقوم الإيرانيون برشوة العناصر المحلية، وإثارة التوترات الداخلية، من أجل الإضرار بالنسيج الاجتماعي، وكسب ولاء الجماعات المحلية، مع نشر أيديولوجية النظام الإيراني في الوقت نفسه”.

 

وتابع التقرير بأنه رغم تصميم إيران على الاستمرار بالتمسك بسوريا، فإن سياسة الضغط الأقصى الأمريكية، وهجمات الاحلال الإسرائيلي، والمنافسة مع روسيا، جميعها عوامل تجبر طهران على تغيير موقفها بالقطاع الجنوبي السوري.

 

ويعود ذلك أيضا إلى أن المليشيات الشيعية العاملة في المنطقة أتت من خارج سوريا.

 

وفي المقابل، يحاول الإيرانيون الاعتماد على عناصر محلية، مثل قوى الدفاع، ومليشيات محلية يدربها الجيش السوري، خاصة الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، وحزب الله.

وتابع الكاتبان بأن “هناك هيئتين لحزب الله تعملان بالجنوب: المقر الجنوبي ويضم ضباط الحزب كمستشارين ومفتشين بالجيش السوري، ووحدة مرتفعات الجولان تحت القيادة المباشرة للمقر، حيث يتم تأسيس خلايا مسلحة من السوريين”.

 

والحزب شريك في النشاط الإيراني بالجنوب، بما يتجاوز الجانب العسكري، وفق زعم التقرير، بما في ذلك “تشغيل شبكات التهريب، وشراء الأراضي، وتقديم الخدمات والمنتجات لتوسيع النفوذ، وتعبئة الرأي العام المحلي المتعاطف”.

 

وأكد التقرير أن “روسيا من جهتها تسعى جاهدة لاستقرار الوضع في الجنوب، ويظهر مسؤولوها العسكريون نشاطا وتواجدا في المنطقة، ويحافظون على الاتصالات مع مختلف القوات، مع الحفاظ على النظام المركزي للأسد، لترجمة نجاحها العسكري الميداني إلى إنجاز سياسي، ومكاسب اقتصادية، ونفوذ طويل الأمد في سوريا والشرق الأوسط”.

 

المنافسة الروسية الإيرانية

ورغم أن المحافظات الجنوبية تخضع رسميا لسيطرة النظام، فيبدو أن موسكو تفكر بصيغة فيدرالية للحكومة المحلية، تتماشى مع النموذج الروسي، بمسودة الدستور التي اقترحتها على دمشق أوائل 2016، على أساس مبدأ “اللامركزية”.

 

وفي الوقت ذاته، تهتم روسيا بالحفاظ على علاقات طبيعية مع الاحتلال الإسرائيلي، والحفاظ على التنسيق الاستراتيجي الذي تم تشكيله بينهما على الساحة السورية.

وأشار التقرير إلى أن “روسيا تُظهر استعدادها للوفاء بوعدها للولايات المتحدة وإسرائيل بإبعاد الوجود والنفوذ الإيرانيين في نطاق 80 كم من الحدود مع إسرائيل، ففي وقت مبكر من 2018، أنشأت اللواء الثامن التابع للتجنيد، بعد أن كان لها دور فعال في تنظيم وضع الثوار بمحافظة درعا، وهو اليوم يحد من توغل المبعوثين الإيرانيين في الجنوب، بل ويواجه في كثير من الأحيان قوات النظام، خاصة الفرقة الرابعة”.

وأضاف أن “تعدد اللاعبين بجنوب سوريا، والتنافس على النفوذ بين روسيا وإيران، يؤدي إلى لامركزية ديناميكية للتأثير بهذه المنطقة، ويفضل المحليون الانضمام لمن يُنظر إليهم على أنهم عامل القوة، خاصة من يدفعون ويقدمون مظروفا من المساعدات الأمنية والمدنية، ورغم تصميم إيران على تعميق قبضتها على المنطقة، فإنها مجبرة على تخفيف أنشطتها بسبب قيود الميزانية، ونتيجة التحركات التقييدية التي اتخذتها روسيا”.

وتابع بأن “روسيا لديها قدرة محدودة على تقليص المؤسسة الإيرانية في المنطقة، ناهيك عن إبعادها ومبعوثيها عنها، وتبنى نظام الأسد الحياد السلبي تجاه منافسة روسيا وإيران، ما سمح للصراعات المحلية بين مختلف اللاعبين بمنع تأسيس عامل مهيمن واحد في الفضاء، ما يسمح لهم بالتآكل بفعل بعضهم بعضا، بما في ذلك مواجهة جنوب سوريا منخفضة المستوى”.

 

“الجوار الطيب”

 

ومنذ بداية الحرب السورية في 2011، بحسب التقرير، اختار الاحتلال الإسرائيلي “المراقبة المضادة، وعدم التدخل في الصراع للسيطرة على جنوب سوريا، إضافة للعمليات العسكرية العلنية والسرية ضد تهديدات ملموسة في المنطقة”.

 

ولكن مع عودة نظام الأسد للجنوب، “ألغت إسرائيل مشروع الجوار الطيب الهادف لتقديم المساعدات لسكانها، خاصة في التجمعات القريبة من حدود هضبة الجولان، مقابل الاستقرار، ومنع الهجمات”.

 

وأوضحت أن “سياسة عدم التدخل التي صاغتها إسرائيل بداية الحرب السورية، باستثناء إحباط الهجمات، ونقل أسلحة متطورة من إيران لحزب الله عبر سوريا، فإنها سمحت لإيران، بجانب قتالها مع الأسد، بالاستيلاء على البنية التحتية والقدرات العسكرية ضد إسرائيل، وتفعيل جبهة حرب أخرى ضدها، بجانب اللبنانية في زمن الحرب أو التصعيد”.

وأضافت أنه “عندما اتضح الوضع لإسرائيل، كان لا بد من صياغة رد عسكري ضد إيران، وإلقاء ثقلها على روسيا لقمع وجودها العسكري في سوريا، وتصميم ترتيب مستقبلي يناسب إسرائيل”.

 

لكن التقرير اعتبر أن موسكو لم تف بوعودها بشكل كامل حتى الآن، فيما سيسعى الاحتلال لإعادة تفعيل اتفاقياته معها بهذا الخصوص.

 

ومن أجل “منع طهران من خلق حدود معادية، واحتكاك شديد في الجولان عبر وكلائها”، وفق التقرير، فإن “على إسرائيل الاستفادة من الضعف الحالي للمحور الإيراني، بما في ذلك نظام الأسد، وآلية التنسيق مع الجيش الروسي، كفرصة لمتابعة سياسات استباقية في جنوب سوريا”.

وختم بالقول: “يجب على إسرائيل تعزيز القوات المحلية، السنية والدرزية، وإقامة علاقات مع السكان المحليين الذين يعارضون النظام السوري، من خلال المساعدات الإنسانية، أي الغذاء والوقود والخدمات الصحية، التي ستخلق جزر نفوذ إسرائيلية، وبالتالي تعطل المؤسسة الإيرانية في جنوب سوريا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى