ثقافة وفنون

تفسير الأحلام بين ابن سيرين وفرويد

 

“تفسير الأحلام” يعتقد أن أصله يعود إلى مؤلف يوناني اسمه “أرتيميدس الإفسي” في القرن الثاني للميلاد وأن ابن سيرين اطلع على ترجمته- ارشيفية

إذا رأيت في منامك أنك تسبح وتصارع الموج، ثم استيقظت من نومك والحلم يشغل تفكيرك، ورحت تبحث عن تفسير له في الإنترنت، فإن أول ما يطالعك في محركات البحث سيكون “تفسير الأحلام” لابن سيرين، وستجد فيه العبارة الآتية: “من رأى كأنه غرق، وجعل يغوص مرة، ويطفو مرة، ويحرك يديه ورجليه، فإنه ينال ثروة ودولة”.

قد يرضيك هذا التفسير ويريحك، ولكنه لن يقنعك إن كنت فضولياً معقد التفكير. هنا ستبحث عن تفسير أقرب إلى ذاتك ومشاغلك وظروف حياتك.

وسيقودك بحثك إلى أستاذ التحليل النفسي سيغموند فرويد، وستجد في كتابه “تفسير الأحلام” العبارة الآتية: “وأما الأشخاص الذين يحلمون كثيراً في السباحة، ويجدون متعة كبرى وهم يغالبون الموج، فهؤلاء في العادة ممن كانوا يبولون على أنفسهم وهم أطفال أثناء النوم ويبللون فراشهم”.

بين الثروة والسلطة من جهة، والبول على نفسك من جهة أخرى، أنت حر في اختيار التفسير الذي تراه مقنعاً.

ولكنك مهما بحثت لن تجد تفسيراً لأحلامك خارج هذين الإطارين، إطار التفسير الخارجي الذي يمثله محمد ابن سيرين، 653- 729، وإطار التفسير الداخلي الذي يمثله سيغموند فرويد، 1856- 1939.

والحقيقة أن أغلب الناس يميلون إلى عرض أحلامهم على ابن سيرين، مستنكرين فرويد أشدّ الاستنكار. ويكفي للدلالة على سطوته وذيوع اسمه في هذا الميدان، أن نضع عبارة “تفسير الأحلام” على محرك البحث “غوغل” لتبرز لنا قائمة من الخيارات باسم ابن سيرين بعدد حروف اللغة العربية. أما فرويد فلا بدّ لنا أن نضيف اسمه إلى جانب العبارة ليطالعنا بتفاسيره الملعونة المزعجة.

والباحث عن التفسير السهل والمُرْضي لأحلامه، لا يعنيه التحقق من صحة نسبة التفاسير المنثورة على الإنترنت لابن سيرين، وهي المرتبة ترتيباً هجائياً على مبدأ الكلمات المفتاحية ودلالاتها الرمزية، وأن هذا التبويب يختلف عن الكتاب المنسوب لابن سيرين والقائم على التبويب الموضوعي، (كرؤيا الله سبحانه وتعالى، ورؤيا الملائكة، ورؤيا آي القرآن، ورؤيا الأنبياء، ورؤيا الجن والشياطين، ورؤيا الملابس، ورؤيا الأشجار… الخ).

وأن ما ترشّحه لنا محركات البحث هو تفاسير مجهولة المصدر، أو منسوبة لمفسرين غير ابن سيرين، مثل عبد الغني النابلسي الدمشقي 1641- 1731، وهو شاعر متصوف تفصله عن محمد ابن سيرين البصري ألفُ سنة.

كتاب ابن سيرين “تعبير الرؤيا” أصله مفقود، فإما أن تكون مخطوطته الأصلية قد ضاعت، أو أنه لم يكتبها، أو أن تلامذته دوّنوها عنه شفاهة.

الكتاب الذي بين أيدينا بعنوان “تفسير الأحلام”، يعتقد أن أصله يعود إلى مؤلف يوناني اسمه “أرتيميدس الإفسي” عاش في القرن الثاني للميلاد، وأن ابن سيرين اطلع على ترجمته العربية التي أنجزها حنين بن اسحق في القرن الثاني الهجري.

ومهما تكن نسبة هذه التفاسير، فالجامع بينها أنها تنتمي إلى مدرسة التفسير الغيبي للأحلام، التي يقسم فيها ابن سيرين الأحلام إلى ضربين، الرؤيا ومصدرها إلهي، والحلم ومصدره شيطاني. والأول هو “الصادق والصالح الذي يجيء بالبشارة والنذارة”.

والثاني هو “المكروه من المنامات الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتمانه والتفل عن يساره، ووعد فاعل ذلك أنها لا تضرّه”.

أما فرويد فأقام نظريته على المنشأ النفسي للأحلام، ورفض المنطلق الخارجي لها، فالحلم نفسي التكوين ومصدره “العقل البدائي للإنسان، أي الجزء اللاشعوري في النفس. وهدفه تحقيق الرغبات أو تفريغ التوترات، وكل ما فيه من رموز وطلاسم وكوابيس ترتبط بمشاعر الإثم والكبت”.

واعتمد فرويد في منهجه على ذاتية الحلم وخصوصية الرموز، فكل رمز في الحلم يحمل دلالة عامة تنتمي إلى الخبرات البشرية المتوارثة، وأخرى خاصة ترتبط بذكريات الحالم البعيدة والقريبة، ولا يكتفي بإحالة الرموز إلى دلالات خارجية ثابتة، كما يفعل المفسرون الغيبيون، بل يضعها في سياق المنطوق الحلمي الخاص بالحالم، ويرصد ما يطرأ عليها من تقنّع وتحويل وتشويه وغموض، ويخلص إلى الكشف عن الحالة النفسية الخاصة بالحالم دون غيره.

لم يخترع فرويد العجلة ولكنه جعلها تدور على نحو أفضل، فقد درس كلّ ما كتب حول الأحلام منذ العصر اليوناني حتى نهاية القرن التاسع عشر، وأضاف إليه خبرته الذاتية بتسجيل أحلامه وأحلام مرضاه، واستفاد من كل تلك المعرفة في وضع نظرية دقيقة حول مصدر الأحلام، وكيفية تشكلها وعملها، وأهميتها ومعناها وعلاقتها بالحياة الحقيقية.

تجاوز فرويد في نظريته النظريات القديمة، ومنها نظرية ابن سيرين. وكان هذا التجاوز جذرياً في المنطلقات الأساسية، لكنه لم يكن شاملاً لآليات التفسير، فالخبرة الإنسانية الماضية في تفسير الأحلام تمتلك من القوة والوجاهة ما يجعلها ثابتة في ميدانها على الرغم من التطور الهائل الذي أحدثته منهجيات العلوم الحديثة في ذلك الميدان.

وبعيداً عن المنطلق الغيبي أم المادي في النظريتين، تتفق النظريتان على صدقية منطوق الحلم، وأهميته في إظهار ما خفي من رغبات النفس، وفي قابليته للتعبير أو التأويل.

لكنّ النظريتان تفترقان في نقطة النفس السليمة والنفس السقيمة، فابن سيرين يحصر عمل المفسر في القطاع الإيجابي من الحلم الذي يؤدي وظيفة ” التحذير من الذنوب، والتنبيه من الغفلات، والزجر من الأعمال المهلكات”.

ويقصي القطاع السلبي من الأحلام المكروهة وهو ما كان “ترويعاً أو تحزيناً باطلاً، أو حلماً يؤدي إلى الفتنة والخديعة والغيرة” ولا يعدو هذا الضرب من الأحلام أن يكون ” أباطيل أحلام مضافة إلى الشيطان على أنه هو الداعي إليها”.

ويدخل في الضرب الثاني “ما تراءى من حديث النفس وآمالها وتخاويفها وأحزانها مما لا حكمة فيه تدل على ما يؤول أمر رائيه إليه”.

أما فرويد فبحكم انتمائه إلى ميدان الطب النفسي، فإن نظريته تتوجه إلى أساساً إلى أحلام النفس السقيمة، بل إنه يرى في أحلام المرضى النفسيين أحد أهم المداخل إلى منطقة اللاشعور حيث تكمن علة المرض النفسي “غير أن التحليل النفسي لا يرى فارقاً جوهرياً بين الحياة النفسية للأسوياء والمرضى العصابيين، وإنما يجدهما مختلفين في نواح كمية.

والحق أن أحلام الأصحاء تأتي طبيعية، ورموزها لذلك أقل تعقيداً، وأكثر وضوحاً، وأبين في دلالتها من أحلام العصابيين التي تتميز الرقابة فيها بالصرامة”.

وتعود النظريتان إلى الالتقاء في نقطة أساسية في الجانب العملي لتفسير الأحلام. وهي أن المفسر لا يمكن أن ينجح في عمله إلا إذا امتلك وصفاً أمنياً ودقيقاً للحلم. وكل زيادة أو إنقاص أو تغيير في رواية الحلم ستضلل التفسير وتقوده إلى وجهة خاطئة.

ويعبر ابن سيرين عن هذه الأهمية بقوله “وأن الكاذب على منامه مفتر على الله عز وجل” ” وينبغي لصاحب الرؤيا أن يتحرى الصدق ولا يدخل في الرؤيا ما لم ير فيها فيفسد رؤياه ويغش نفسه”.

ويضيف ابن سيرين إلى تحذيره عبارة بالغة الذكاء: “وأن العابر (الحالم) لا ينبغي له أن يستعين على عبارته بزاجر في اليقظة يزجره، ولا يعول عن ذلك بسمعه ولا بحساب من حساب المنجمين يحسبه”.

ومعناها أن الحالم قد يعمد إلى تحوير حلمه، بإخفاء جزء من تفاصيله، أو تبديله. ومثل هذا التحوير يبطل عمل المفسر.

خلاصة القول إن الأحلام عند ابن سيرين رسائل مشفرة يستقبلها الإنسان في نومه. ووظيفة المفسر أن يقرأ الشيفرة ويتأكد من مصدرها ويقيم محتواها، فإن وجده نافعاً زفه بشارة، أو نقله تحذيراً لصاحب الحلم. وإن كان مصدرها شريراً، ومحتواها باطلاً، فواجب المفسر أن يتلفها.

أما فرويد فالأحلام عنده نداءات استغاثة يرسلها النائم من غيابة بئر عميقة، وهي غامضة ومشوشة وقصيرة لأنها مكتوبة في ظلمة حالكة. ووظيفة المفسر أن يحلل الخطوط المتشابكة، ويستخلص المعنى منها، ويفهم الحاجة ويقدم المساعدة.

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى