ثقافة وفنون

بصمة “فرويد” في الأدب.. من أحلام اليقظة إلى أحلام النوم

العلاقة بين الواقع والحلم في مقامات الهمذاني محكومة أبداً بقانون العود على البدء- تويتر

لا أعلم في الأدب العربي حكاية تمثل أحلام اليقظة أوضح تمثيل من حكاية الناسك وجرة السمن الواردة في كتاب “كليلة ودمنة” لابن المقفع 724- 759. وهي حكاية ذائعة “تضرب مثلا في الرجل الذي يعمل من غير رويّة وتثبّت”.

ملخص الحكاية أن ناسكاً كان يتصدق عليه تاجر ببعض السَّمْن، فكان يأكل حاجته ويدّخر الباقي في جرة، ثم يعلقها في سقف بيته.

وبينما هو مستلق تحت الجرة وفي يده عصا، استسلم لشرود فكره، فرأى نفسه يبيع ما في الجرة بدينار، ويشتري بثمنها عشر نعجات، فيحملن ويلدن.

وبعد خمس سنوات يجتمع له أربعمئة نعجة، ثم يبيعها ويشتري مزرعة وثيراناً، فيصيب منها مالاً كثيراً، ويبني بيتاً، ويشتري عبيداً وإماء ومتاعاً، ثم يتزوج امرأة جميلة، فتلد له صبياً سوياً، فيؤدبه ويشتد عليه في التأديب، فإذا رأى منه عصياناً ضربه بالعصا هكذا، ورفع العصا فأصابت الجرة فانكسرت، ووقع ما فيها من سمن على رأسه ولحيته.

هذا نص أدبي شديد البساطة في بنائه، وشديد الوضوح في معناه. بساطته ووضوحه ناجمة عن وضوح الحدود بين الواقع والخيال، والدخول في الخيال والخروج منه يجري بسلاسة، حتى أن الناسك نفسه لا يصدق حلمه، لذلك ينتهي الحلم بخيبة الأمل. ولا يعطينا النص إلا الحقيقة الخارجية عن شخصية الناسك، بأنه رجل خامل واسع الخيال.

دائماً ما تنتهي أحلام اليقظة بخيبة أمل، ليس لأنها محض خيال فحسب، بل لأن صاحبها نفسه يدرك بأنه يحلم، وأنه يسبغ على نفسه صفات ليست من صفاته، فإذا كان كسولاً متواكلاً كالناسك في حكاية ابن المقفع، فإنه يخترع أحداثاً يجعل من نفسه فيها شخصاً نشيطاً ناجحاً مثابراً على العمل.

وإن وقع عليه ظلم فإنه يختلق قصة محكمة ينتقم فيها ممن ظلمه. وتعمل أحلام يقظته على تطويع الواقع على هواه، وتكييف شروطه وقوانينه ورياحه لتجري كما تشتهي سفنه، لكن ذلك التطويع يجري في نطاق وعي الحالم بأنه يحلم، فيظل الواقع واقعاً، والخيال خيالاً، والحدود بينهما مرسومة بخط المسطرة.

الأدب القائم على أحلام اليقظة لا يكون دائماً على هذا النحو من البساطة والوضوح، ففي مقامات الهمذاني 969- 1007، حلم يقظة مركب، يمثل فيه “عيسى بن هشام” الواقع كما يتهيّأ للهمذاني، بينما يمثل ” أبو الفتح الإسكندري” حلم اليقظة الذي يتخيله “ابن هشام” الرافض لشروط واقع الهمذاني.

العلاقة بين الواقع والحلم في مقامات الهمذاني محكومة أبداً بقانون العود على البدء، ففي كل مقامة منها تكون البداية بعرض الواقع السكوني العادي الذي يعيشه “عيسى بن هشام”، ويشبه واقع الناسك في حكاية ابن المقفع.

ثم يأتي دور “الإسكندري” لإحداث النقلة من مستوى الواقع إلى مستوى الحلم، بما يمتلكه من قدرة على خرق مجالات الواقع حيث يكون “ابن هشام”، في الأدب، وفي التجارة، وفي السياحة، وفي الطب.

وحيثما يكون واقع “ابن هشام” السكوني، يبرز “الإسكندري” فجأة ليصعّد الواقع السكوني إلى مصاف الواقع المثالي “فإذا رجل على فرسه، مختنق بنفسه، قد ولّاني قَذاله وهو يقول: … أنا باكورة اليمن، وأحدوثة الزمن.

أنا أدْعية الرجال، وأحجية ربّات الحجال. سلوا عني البلاد وحصونها، والجبال وحُزونها، والأودية وبطونها، والبحار وعيونها، والخيل ومتونها…سلوا الملوك وخزائنها، والأمور وبواطنها، والعلوم ومواطنها…”

وتنتهي المقامة بانفثاء فقاعة الحلم، ويحدث ذلك حين ينكشف وجه “الإسكندري” فيعرفه “ابن هشام” ويرتدّ فوراً إلى واقعه السكوني، في لحظة صحو تشبه انكسار جرة السمن في حكاية الناسك. وتتكرر هذه الصيغة في كل مقامة، في دلالة على أن الحلم لا يمكن أن يكون أصلب من الواقع.

يظل حلم اليقظة منفصلاً عن الواقع في مقامات الهمذاني، لأن الواقعي” ابن هشام” يعلم أصل الحلمي “الإسكندري”، وعلى الرغم من مرحلة الاستيهام التي يتضاءل فيها الواقعي ويتصاعد الحلمي، إلا أنهما ينفصلان في النهاية عوداً على بدء.

وليس عفوياً تأكيد الهمذاني في مقامته الأولى “المقامة القريضية” على أوّلية الواقعي، وتابعية الحلمي في ردّ “ابن هشام” على خديعة “الإسكندري”: “ألم نُربّكَ فينا وليداً، ولبثتَ فينا من عمرك سنينا”

من الهمذاني، مبدع فن المقامة في السرد العربي، إلى “ميغيل دي ثيربانتس” 1547- 1616، أشهر أدباء الإسبانية في عصر النهضة الأوروبي، ظلت أحلام اليقظة تطبع الأدب بطابع أولية الواقعي وتابعية الحلمي.

ذاق أديب إسبانيا الكبير مرارة السجن مرتين، الأولى حين وقع أسير حرب لدى العثمانيين في الجزائر، والثانية بعد عودته إلى بلده حين سجن بتهمة اختلاس الأموال العامة. وفي محبسه الثاني بزغت بذرة عمله الأدبي العظيم “دون كيخوتي”.

يمكن فهم “دون كيخوتي” بوصفه شخصية بلاغية مخادعة، كشخصية “الإسكندراني” في مقامات الهمذاني. ولم يكن مساعده “سانشوبانزا” يصدق بفروسية سيده، إلا بمقدار ما كان “عيسى ابن هشام” يصدق بقدرات “الإسكندراني” الخطابية.

لم يعدُ “دون كيخوتي” أن يكون لحظة استيهام متكررة في واقعية “سانشوبانزا” السكونية الحالمة بتغير واقعها وبلوغ المثال والثروة والمجد من دون عناء، وكان يتبع سيده آملاً في أن يبلّغه مراده، لا لأنه يصدقه، وإنما لأنه أعجز من أن يبلغ مراده بنفسه.

ظلت احلام اليقظة عاجزة عن تسيّد الواقع في الأدبين العربي والعالمي، حتى ظهور كتاب “تفسير الأحلام” لسيغموند فرويد 1856- 1939، مطلع القرن العشرين.

نقلت أطروحة فرويد في الأحلام الأدب من مسرح اليقظة إلى مسرح النوم، أي من مستوى الوعي إلى مستوى اللاوعي. واللاوعي هو ملعب الأحلام، ومن البدهي أن تتغلب الأحلام على الواقع في ملعبها.

وجّهت أطروحة فرويد الأدب إلى الاعتراف والقبول بهشاشة النفس البشرية، واحترام ضعفها، وأن الشجاعة تكمن في صدق التعبير عن المرارات والخيبات والهزائم، وأن الأدب يقترب أكثر من الحقيقة الإنسانية كلما اقترب من العقد النفسية، وباح بما يعتمل فيها من جروح وندوب يخفيها الوعي حرجاً منها، وخجلاً من مواجهتها.

استلّ فرويد “عقدة أوديب” من الأدب اليوناني، واستخدمها في تحليل شخصية “هاملت” الشيكسبيرية، فنزع عنها قناع البطولة، وكشف عن أعمق عقدها النفسية وأكثرها خفاء، تلك العقدة التي تشكلت في سنوات الطفولة المبكرة، وظلت توجّه “هاملت” في سنوات نضجه ورجولته.

زلزل “تفسير الأحلام” الأدب زلزلة عنيفة، وأجبره على تغيير مفاهيمه ووظائفه وطرائق تعبيره، وصار الصدق الفني يستهجن أحلام اليقظة لأنها صادرة عن الوعي اليقظ الذي يسد الأبواب في وجه الحقيقة النفسية الكامنة في اللاوعي ويمنع تحررها.

دفع فرويد الأدب إلى الالتفات إلى أحلام النوم بكل ما فيها من هلوسات وتشوهات وصور غريبة ورموز عصية على الفهم، ونقلات غير منطقية في الأحداث والأمكنة والأزمنة، وتداخل في الوجوه وهويات الشخوص.

أراد فرويد للأدب أن يستهدف القطاع اللاواعي من النفس، لأنه القطاع الذي تكمن فيه حقيقتها، وأحلام النوم هي أهم المداخل إلى هذا القطاع إضافة إلى ما أسماه ” التداعي الحر”، وهما أداتا فرويد الأساسيتان في التحليل النفسي.

لكن فرويد فتح أبواب الغموض في الأدب من حيث أراد أن يجعله ميداناً للكشف والإفصاح عن حقائق الحياة. لكنه كان يتوخّى الصدق وليس السهولة، فما يميز أحلام النوم عن أحلام اليقظة هو “أننا نتقبل الهلوسة الحلمية ونصدقها. ونحن لا نعرف أننا كنا نحلم إلا بعد أن نستيقظ”.

وأن ” خاصية الخلط بين الحلم والواقع هي ما يفرق بين الحلم الحقيقي وحلم اليقظة الذي لا يمكن أن نخلط فيه بين الحلم والواقع” بمعنى آخر يمكن القول إن فرويد قتل “الناسك” و”الإسكندري” و”دون كيخوتي”، فهم ليسوا أكثر من أحلام يقظة يتهيّؤها شخص آخر.

وعلى الرغم من أنها تكشف عن حقيقة الشخص الحالم، إلا أن هذا الكشف سطحي وغير كاشف عن الحقيقة يتوخاها الشخص نفسه، لكنه لا يعرف كيف يصل إليها.

نقل فرويد بنية الحلم المعقدة إلى الأدب، فصار الأدب صورة للنفس البشرية، فيه ما فيها من مستويات ظاهرة وأخرى عميقة وثالثة مستغلقة، فهو يقرّ ” أنه ما من حلم صادف حتى اليوم التفسير والتعليل الكافي والشافي”.

إلا أن فرويد وهو يعقد الأدب، زوّد النقد بالأدوات اللازمة لتحليل البنية المعقدة، وهي من نفس المنشأ النفسي للعقدة الأدبية، وصار بإمكان النقد المسلح بالأدوات النفسية أن يبحر في الأدب شرقه وغربه، قديمه وحديثه، وأن يكتشف الخريطة المجهولة للنفس البشرية، وأن يعيد اكتشاف فجاجها العميقة كلما بزغ فجر جديد على الإنسان.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى