أسلوب حياةثقافة وفنون

الفلسفة في مواجهة “كوفيد 19” أو خيبة أمل القرن!

لا شك في أن الفلسفة تحرّك زمن الأزمة باستثمارها فكريّا، وتدفع بالوجود إلى تصوّرات جديدة لفنّ العيش من عمق المعاناة والآلام كما تفتح إمكانات جديدة لضمان حسن البقاء. كانت ولاتزال الفلسفة علاجا للروح، ناهيك في زمن يشهد على “غليان” البلاءات بين وباء وحروب ومجاعات وفيضانات وأزمات اقتصادية وغيرها من أزمات القرن. ولا شك أيضا أن انتظار الموت زمن الوباء بات ممارسة حياتيّة يوميّة. لا مفر. ولكن لسنا مدعوين لسؤال: “كيف سننجو من ذلك”.

وإنما السؤال الأهم؛ كيف نعيش بأمان وطمأنينة وكيف نستسلم لفكرة الموت، الفناء دون الشعور بالألم، أو الحريّ بنا تقبل هذا الألم وكأنه شعور طبيعي؟

في كتابه “الوجود والعزاء”، يقول الباحث المغربي سعيد ناشيد: “جعلتنا جائحة كوفيد 19 ننتبه إلى قيمة الحياة العادية البسيطة التي كانت لدينا، فقد فرض الحجر الصحي علينا أن نفقد أهم شروط السعادة التي هي في حوزتنا دون أن ننتبه إليها، وهي الحياة التي نسميها بالحياة العادية بكل ما تبدو عليه من رتابة وتفاهة أيضا؛ الذهاب إلى العمل، المشي في الشارع أو في الحديقة، الثرثرة في المقهى، الذهاب إلى السوق، السفر إلخ. هذا لعمري هو درس بليغ من دروس فلسفة العيش، يعلّمنا أن قدرنا أن نواجه الخيبة ونحوّلها إلى فرصة للتمرّن على عيش الحياة”.

نستحضر هنا، أيضا، سؤال سقراط زمن الطاعون: “ما هو الطبيعي؟”، و”الفلسفة المتعالية”، وتصورات الفيلسوف ثورو الذي دافع عن البساطة والعودة إلى الطبيعة وبحث عن الجمال بين الشوائب. فالجمال موجود حتى فيما نعتقد أنه قبيح وبشع.

لقد سخّر سعيد ناشيد قلمه للبحث في هذا المشغل منذ كتابه “الطمأنينة الفلسفية” امتدادا مع كتاب “الوجود والعزاء”.

الوجود والعزاء
ارتبط تأليف كتاب “الوجود والعزاء” بما مرّت به البشرية مؤخرا مع جائحة كوفيد19، فيقول سعيد ناشيد في حديث خص به عربي 21: “ما إن أنهيت كتابة المسودة الأساسية للكتاب، حتى بدأت جائحة كورونا تضرب مختلف ربوع العالم بنحو فجائي، وخلال أسابيع طويلة من الحجر الصحي الذي طال نصف البشرية، ارتأيت إجراء بعض التعديلات في مستوى الصياغة والتبويب، فكان الأمر بمنزلة ولادة ثانية للكتاب. لذلك؛ يمكنني الإجابة عن سؤالك بالقول: لقد تزامنت الصياغة النهائية للكتاب مع بداية فترة ما بعد كورونا، التي تمثل بدورها لحظة من لحظات ما اصطلحت عليه بزمن خيبات الأمل”.

“الوجود والعزاء” وقبل ذلك “الطمأنينة الفلسفية”، تحيلنا كلتا التجربتين إلى مشروع فكري حول هذه المواضيع، وهو ما أكده الباحث المغربي لعربي 21 قائلا: “أحاول العمل على المساهمة في إعادة صياغة تاريخ الفلسفة باستحضار العصور “المنسية” (العصر الهلنستي، والعصر والروماني)، وذلك انطلاقا من وجهة نظر الفلسفة العملية، وهي الفلسفة التي غايتها الأساسية تتمثل في تنمية قدرة الإنسان على الحياة، وتقليص مصادر الشقاء والوهم والعنف”.

العزاء بين الفكر والغيبيات والروحانيات
عادة ما يفرّ الناس إلى الغيبيات والروحانيات والأديان للبحث عن العزاء والراحة النفسية، فهل يمكن للفكر أن يقدر ذلك أيضا؟ توجهنا بهذا السؤال إلى صاحب كتاب “الطمأنينة الفلسفية” و”الوجود والعزاء” فقال: “فعلا لا يزال معظم الناس يبحثون عن العزاء في الأديان، وهذا ليس عيبا في ذاته، بل المعضلة أن الخطاب الديني السائد ينمي الانفعالات الحزينة، المشاعر السلبية، وغرائز الانحطاط، من قبيل الخوف والغضب والغيرة والكراهية وما إلى ذلك، ومن ثم فهو عاجز عن تقديم العزاء المطلوب، إذ إنه بدل تخليص الإنسان من الحزن، فإنه يراهن على دوامه وتأبيده، بل يجعله قيمة مطلوبة، وهو ما يمثل خطرا على صحة الكينونة والروح.”

وتعليقا على الكتابات العربية ضمن هذه المباحث نفسها التي يشتغل فيها، أكد سعيد ناشيد النقص في هذه المشاغل من هذه الناحية مشيرا إلى: “خصاص كبير يحاول أن يملأه “الدعاة الجدد”، ورواد “التنمية البشرية”، ومرد ذلك الخصاص هو تهميش دور الفلسفة العملية”.

لقد تشبع سعيد ناشيد بالفلسفة الرومانية من لوكريتيوس إلى تأملات ماركوس أوريليوس وعزاء الفلسفة لبوثيئوس وغيرهم من الفلاسفة فهو يعيش: “في التفاصيل بوعي يقظ وحواس مرهفة، وكثيرا ما أحصل على صور إجمالية تدمي أشد القلوب قسوة. مثلا، ما الذي يعنيه أن تصاب بكوفيد اللعين، وبسبب ضعف مناعتك تحتاج إلى الإنعاش، ولأن أقسام الإنعاش ممتلئة عن آخرها، يقال لك: انتظر؟ هل تدرك ما الذي ستنتظره؟ ستنتظر موت مصاب سابق لكي يفرغ لك المكان، سترجو هلاك أحدهم لكي يترك لك فرصة النجاة. عشرات المصابين في المغرب يعيشون هذا النوع من الانتظار. إنه أسوأ أنواع الانتظار. لا أتمناه. لا أتمناه.”

وحول مشاريعه الفكرية القادمة، أكد الباحث المغربي في نهاية حديثه لـ”عربي21“: “كل ما يتعلق بحياتي الفكرية يبقى خارج التوقعات”. واستدرك قائلا: “غير أني أشعر بأني محتاج في هذه المرحلة من عمري إلى العمل على صياغة مشاريع عملية تحت إشراف “مركز ناشيد من أجل مجتمع متنور”، مشاريع تتعلق ببرامج الإصلاح الديني في المدرسة والإعلام والمسجد، وورشات تعليم الفلسفة للأطفال، وتنمية القدرة على الحياة لدى الأشخاص في وضعيات صعبة، وتقديم مقترحات حول الإصلاح التربوي، ومنهاج تدريس الفلسفة”.

الأكثر قراءة

الفيديو الأكثر مشاهدة

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى