ثقافة وفنون

الغزالي: فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية

كانت الأمة الإسلامة زمن الغزالي في حالة انكسار ثقافي، وفي حالة تذرر سياسي بفعل الفرق والبدع والفلسفات المتناثرة من كل حدب وصوب، فضلا عن الحروب الداخلية التي دمرت نسيجها وكينونتها.

ألف الغزالي في الرد على الباطنية خمسة كتب، ضاع اثنان منها وبقي ثلاثة: “فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية”، “القسطاس المستقيم”، “حجة البيان”.

يذكر القاضي ابن العربي في كتابه “العواصم من القواصم” أن الباطنية تحزبت إلى قلعة أصبهان وثارت في الجبل حتى بلغت همدان، ودعوا إلى الجدال، فأرسل الخليفة إلى الغزالي فصنف له كتابا سماه “حجة الحق في الرد على الباطنية” باللغة العجمية، ثم كلفه الخليفة أن يضع له في ذلك شيئا، فأرسل إليه كتابا سماه “فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية”.

وقد ذكر الغزالي ذلك بعد تردده وتحيره في الرد على الباطنية، لأن هذا الرد يستوجب منه تعيين عقائدهم وتصنيفها، وقد ذكر في “المنقذ من الضلال” ذلك:

فجمعت تلك الكلمـات ورتبتها ترتيبـا محكمـا

مقـارنا للتحقيق، واستـوفيت الجــواب عنها،

حتـى أنكر بعض أهـل الـحق مبالغتـي فـي

تقرير حجتهم، فقال هذا سعي لهـم، فـإنهم

كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثـل هذه

الشبهـات لـولا تحقيقك لهـا، وترتيبك إيـاهـا.

بعد هذه الحيرة، أخذ الغزالي قراره بتأليف كتاب ضد الباطنية بعدما طلبت منه الدولة السلجوقية ذلك، وهو ما أوضحه صراحة في كتابيه “المنقذ من الضلال” و “فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية”، فكتب في الأخير:

… فكـانت هذه الحيرة تغبر فـي وجه المراد،

وتمنـع القريحة عن الإذعـان والانقيـاد، حتى

خرجـت الأوامـر الشريفـة المقـدسة النبـوية

المستظهرية.

وكتب في “المنقذ من الضلال”:

تظـاهـرت علـي أسبــاب الإيجــاب والإلــزام

واستقبلت الآتي بالاعتناق والالتزام وبـادرت

إلـى الامتثـال والارتسـام وانتـدبت لتصنيــف

هـــذا الكتــاب وسميتـه (فضــائح البـاطنيــة

وفضائل المستظهرية).

في مواجهة العقائد الباطنية

سرد الغزالي عشرة تسميات للباطنية، جميعها تدعي أن لظواهر القرآن والآخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشر، لكنه اعتمد اسم التعليمية لأنها الأكثر ملائمة لفكر الباطنية في عصره، ولأنهم قالوا أن لا سبيل إلى أخذ العلوم إلا بالتعليم.

والحركة الإسماعيلية التي يشير الغزالي إليها بالباطنية، لم تكن تسمي نفسها آنذاك بهذه التسمية (الباطنية)، وإنما كانوا يسمون أنفسهم في إيران “الدعوة الجديدة”، في إشارة إلى الدعوة الإسماعيلية الجديدة التي نشأت مع الحسن الصباح.

يبدأ الباب الرابع فضائح الباطنية بالقول:

هـو مذهـب ظـاهـره الرفض وبـاطنـه الكفـر

المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلـوم فـي

قـول الإمـام المعصـوم.. فيـوافقـون اليهــود

والنصارى والمجوس.. وأمـا تفصيلـه فيتعلق

بالإلهيات والنبوات والإمامة والحشر والنشر.

الإلهيات

كتب الغزالي أن الباطنية قالت بوجود إلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني، واسم العلة للسابق واسم المعلول للثاني، وأن السابق خلق العالم بواسطة الثاني (المعلول) لا بنفسه، ويسمى الأول عقلا فيما يسمى الثاني نفسا.

وقد استدلوا على ذلك من بعض آيات القرآن، مثل “إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا”، ففي هذه الآية اعتقد الباطنيون أنها إشارة إلى جمع لا يصدر عن واحد، ثم أكدوا رأيهم هذا بآية ثانية “سبح اسم ربك الأعلى”، ثم ذهبوا إلى القول إن الإله الأول (العلة) هو القلم والإله الثاني (المعلول) هو اللوح، فالقلم مفيد واللوح مستفيد بناء على الآية “إنا كل شيء خلقناه بقدر”.

وبناء على ذلك، قالت الباطنية وفقا للغزالي إن الإله الأول (العلة) لا يوصف بوجود ولا بعدم، فلا هو موجود ولا هو معدوم ولا هو معلوم ولا هو مجهول، ثم قالوا إن العالم قديم ليس مسبوقا بعدم زماني.

المسح الذي قام به الغزالي لنصوص الباطنية لم يكن بريئا بحسب البعض، فهو ركز على الجانب الأفلاطوني المحدث في الفكر الإسماعيلي، فاتهمهم بالقول بوجود إلهين، اعتمادا على كلمات (السابق، التالي، العقل، النفس، القلم، اللوح).

وقد أرجع الغزالي هذه المفاهيم إلى المجوسية، في إشارة إلى أن أصل الأفكار الإسماعيلية تجد أصولها في المجوسية التي تقول بالثنوية الإلهية، لكن الدراسات المعاصرة بينت أن هذه المفاهيم أو الإشارات لا تعود إلى المجوسية وإنما إلى الأفلاطونية المحدثة.

كما بينت هذه الدراسات أن الإسماعيلية الباطنية لم تقل بوجود إلهين، بل قالوا بالتنزيه، ولهذا نفوا الصفات عن ذات الله على طريقة المعتزلة، وقولهم إن الله  لا معلوم ولا مجهول ولا موجود ولا معدوم، فذلك لأنهم لو قالوا معدوم لانعدمت الموجودات، ولو قالوا موجودا لكان وجوده متعلقا بغيره.

ومع ذلك، فإن قولهم بالتنزيه على هذه الطريقة قد انتهوا إلى تعطيل الذات الإلهية، لقد اتفقوا مع المذهب الأشعري ـ السني على التوحيد، لكنهم اختلفوا في الطريقة، فالتوحيد عن الإسماعيلية يقوم على معرفة حدود الله ونفي الصفات عنه، فيما يقوم عند السنة على تثبيت الصفات وعلى أن الأول الذي لا أول له خالق الوجود من العدم.

ويذهب ابن تيمية إلى تأكيد قول الإسماعيلية بوجود إله واحد، وقد نقل ذلك عن كتاب مفقود اسمه “الأقاليد الملكوتية” لـ أبي سليمان السجستاني المعروف بالمنطقي 932 ـ 1000م، لكنه رفض قولهم بأن الله لا يوصف بالنفي ولا يوصف بالإثبات.

ويذهب علي سامي النشار وفؤاد عامري وغيرهما إلى أن الغزالي خلط بين عقائد الباطنية القديمة وعقائد الباطنية الجديدة المتمثلة بالدولة النزارية مع الحسن الصباح، ولم يتنبه إلى الفروقات العقائدية بينهما، كما تنبه لها الشهرستاني الذي يقول في كتابه “الملل والنحل”:

ولـم يتعد بأصحـابه في الإلهيــات عــن قـولـه “إن

إلهنـا إله محمد، وأنتـم تقـولـون إلهنـا إله العقـول

أي ما هدى إليه عقل كل عاقل، فـإن قيل لواحــد

منهـم: ما تقول فـي الباري تعالى؟ وأنه هـل هـو

واحــد أم كثير؟ عالم أو لا؟ قادر أم لا؟ لم يجب إلا

بهــذا القـدر: إن إلهــي إلــه محمـد و “هــو الــذي

أرســل رسوله للهدى ودين الحـق ليظهره علـى

الدين كله ولو كره المشركون”.

النبوة

يقول الغزالي إن الوحي عند الباطنية قائم على العقل وليس على الله، فالوحي هو ما قبلته نفس النبي، على اعتبار أن الوحي ليس سوى قوة قدسية فاضت عليه من السابق (العلة) بواسطة التالي (المعلول)، وبناء على ذلك، فالقرآن هو عبارة عن معرفة فاضت على النبي من العقل.

ويتابع عرض مقالتهم، بالقول إنهم زعموا أن هذه القوة القدسية الفائضة على النبي لا تستكمل في أول حلولها، كما لا تستكمل النطفة الحالة في الرحم إلا بعد تسعة أشهر، فكذلك هذه القوة: كمالها في أن تنتقل من الرسول الناطق إلى الأساس الصامت، وهكذا تنتقل من أشخاص بعضهم بعد بعض فيكمل في السابع (الإمام السابع محمد بن إسماعيل).

وهذا الرأي ممن ذهب إليه الفلاسفة في النبوات، لذلك يقرر الغزالي عدم الرد عليهم في كتابه “فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية”، لأنه رد على هذه المسألة في كتابه “تهافت الفلاسفة”.

ويرى البعض أن الغزالي خلط هنا بين عقيدة الباطنية والفلاسفة التي تقول إن النبوة تأتي بالكسب الفردي (الفارابي، ابن سينا) لا إصطفاء من الله، وقد أكدت أهم شخصيتين في الإسماعيلية أحمد حميد الدين الكرماني 996 ـ 1021م و القاضي النعمان ت 974م، أن النبوة هي اصطفاء من الله وليست كسبا فرديا كما قال الفلاسفة.

لكن الفرق بين الباطنية والمذهب السني هو تعدد الوسائط بين الله والنبي، فالمذهب السني يذهب إلى أن الوسيط هو جبريل، بينما تقول الباطنية بكثرة الوسائط: تبدأ من الله إلى السابق ثم التالي ثم الملائكة فالنبي.

الإمامة استكمال للنبوة

قال الغزالي إن الباطنية اتفقت على أنه لا بد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه في تأويل الظواهر وحل الإشكالات في القرآن والأخبار والمعقولات، واتفقوا على أن الإمام يساوي النبي في العصمة، ثم قالوا إن لكل نبي مدة محددة، فإذا انصرمت مدته بعث الله نبيا آخر ينسخ شريعته، ومدة شرعة كل نبي سبعة أعمار، وهو سبعة قرون.

ويرد الغزالي أنه لو كان ذلك نصا صريحا متواترا لما شككنا فيه كما لم يشك في وجود علي ولا فى انتصابه للخلافة، وذلك لأن قول الرسول بالنص على واحد بعده فيكون خليفة، ليس قولا يستحقر فيستر ولا يتساهل في سماعه فيهمل، بل يرى الغزالي أن الدواعي تتوافر على إشاعته كما يرى أن النفوس لا تسمح بإخفائه والسكوت عنه.

ـ التعاند.

لم تسبغ الإسماعيلية الألوهية على الأئمة، وهو ما أكده كثير من الباحثين المعاصرين والقدماء، خلافا للغزالي، ولم يعلنوا أن محمد بن إسماعيل نبي، وكل ما قالوا فيه أنه ولي قائم أتى ليفسر القرآن باطنيا، بل لقد حارب الإسماعليون من قال بألوهية الأئمة.

لكنهم ورغم ذلك، قد منحوا الأئمة صفات تشابه النبي وربما تتجاوز صفاته، فليس للنبي سوى مهمة واحدة هي تلقي الشريعة من جبريل، أما تأويل الشريعة فهي من مهام الوصي الذي يجمع في ذاته بين ناسوتين طبيعي وخاص، فيكون جسمه ناسوتا طبيعيا يُرى لكل البشر، في حين ناسوته الخاص لا يرى إلا للخاصة، وهي الذات الإبداعية التي لا يجوز عليها الفناء والاندثار.

خلاصة

من الواضح أن كتب الغزالي في الرد على الباطنية، وخصوصا كتابه “فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية” إنما كتبت لأهداف أيديولوجية نتيجة الظرف التاريخي آنذاك، فكان الهدف الرئيسي هو فضح الباطنية وإعلاء المستظهرية (الخلافة المستظهرية).

ويتساءل كثير من الباحثين عن الأسباب التي دفعت الغزالي إلى عدم إحكام حججه البرهانية ضد الباطنية بما يكفي، فيقول فاروق ميثا على سبيل المثال، إن عدم استمرار الغزالي في كشف زيف المسائل الباطنية يتعارض مع أسلوبه الأكثر عقلانية في الكتابة، ويرى أنها تشير إلى نوع من الخوف الفكري عنده، وخصوصا أنه يتجنب إثبات الحقيقة بخصوص أي من هذه الهجمات.

ما سبب ذلك؟ هل هو خوف الغزالي من الاغتيال في مرحلة اغتيلت فيها شخصيات هامة على يد الحركة الباطنية؟ أم أنه كان يميل في قرارة نفسه إلى آراء الباطنية في بعض جوانبها؟

يميل الجابري إلى الرأي الأخير، فيقول إن أزمة الغزالي الفكرية كانت أثناء انكبابه على قراءة آراء الباطنية والفلاسفة والرد عليهم، ويتساءل الجابري لماذا كانت  الأزمة الروحية في هذه المرحلة القصيرة؟ ويجيب، ألا تكون أزمته تلك راجعة إلى كونه وجد نفسه مضطرا لإبطال آراء يميل إليها، ثم يضيف أن تحايل الغزالي للخروج من بغداد كان لأجل التحرر من الارتباط بالدولة وأوامر الخليفة.

ويدعم الجابري موقفه بآراء علماء قدماء مثل ابن تيمية الذي قال إن الغزالي يذكر في بعض كتبه أقوالا يدعي أنها أسرار الحقائق، في حين أن هذه الأقوال هي قول الصابئة المتفلسفة بعد تغيير عباراتهم وترتيباتهم، وأنه قد حكي عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجب تصديق ذلك في كتبه.

لكن، إذا كان الأمر كذلك، فلم ألف الغزالي خمسة كتب في الرد على الباطنية، وكان لأكتفى بكتاب واحد، كان بأمر الخليفة المستظهر بالله.

من الصعوبة بمكان إجراء إحاطة كاملة وتامة لفكر الغزالي، حيث يتداخل فيه البعد الأشعري ـ السني مع التصوف مع الفلسفة، والفلسفة تحديدا في عصره كانت تلفيقية، فيها ما يكفي من الأفلاطونية المحدثة والغنوصية.

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى