أخبار العالم

الغارديان: “إسرائيل” والفصل العنصري.. نبوءة أم توصيف؟

نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية رأيها حول الفصل العنصري الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدة أن الأمر يتعلق بواقع يرزح تحته الفلسطينيون، دون أن تترتب عليه مسؤولية تلقى على “الحاكم الفعلي”.

 

واستندت الصحيفة،إلى تقرير صادر عن “بيتسيلم”، أكبر منظمة حقوقية في “إسرائيل”، أكد أن الاحتلال فصل عددا كبيرا من القوانين للتمييز بين الفلسطينيين بحسب أماكن وجودهم، على أن يبقوا جميعا في مرتبة دونية مقارنة باليهود.

 

وأشارت الغارديان بشكل خاص إلى تفاقم السياسات العنصرية في عهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي شهد سن قانون القومية، الذي يكرس “التفوق اليهودي” دستوريا.

كان استفزازا مقصودا من بيتسيلم، أكبر منظمة حقوق إنسان إسرائيلية، أن تقول إن الفلسطينيين الذين يوجدون في الأرض المقدسة يعيشون تحت نظام فصل عنصري. فكثير من الإسرائيليين يمقتون فكرة أن يقارن بلدهم، الذي يعتبرونه ديمقراطية خرجت من رماد المحرقة، بالنظام العنصري في جنوب أفريقيا القديمة. ومع ذلك فقد جرت مثل هذه المقارنة على ألسنة أشخاص معروفين مثل ديزموند توتو وجيمي كارتر.

هناك كلام مهم يمكن أن يقال حول المظالم التي ترتكب. فالفلسطينيون، على غير ما هو عليه أمر اليهود الإسرائيليين، يعيشون تحت منظومة فسيفسائية مفتتة من القوانين، في الأغلب تمييزية، وتحت سلطات عامة تبدو غير مبالية بما يتعرضون له من معاناة. إن الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية، وهي تهمة لا ينبغي أن توجه بسهولة لأحد، وإلا فلن يعبأ بها الناس. قد يوافق البعض على استخدام مثل هذه اللغة المحرضة، ولكن كثيرين يشمئزون منها. تعرف جريمة الفصل العنصري على أنها “الأعمال غير الإنسانية التي ترتكب في سياق نظام من القهر المنظم والهيمنة من قبل مجموعة عرقية ضد مجموعة عرقية أخرى، بهدف الإبقاء على ذلك النظام”.

 

هناك ما يقرب من خمسة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، كلهم بدون جنسية إسرائيلية. في الضفة الغربية، الفلسطينيون محرومون من الحريات المدنية، بينما يتمتع الإسرائيليون في المناطق المحتلة بدعم كامل من الدولة. فازت حماس بانتخابات غزة في عام 2006 إلا أن الحصار الذي تفرضه إسرائيل يعني أنها هي المسؤولة. أغلقت مصر حدودها ولكن لا شيء ولا أحد بإمكانه أن يعبر بدون إذن من إسرائيل. تقول وكالات الإغاثة؛ إن توفير احتياجات سكان غزة، الذين يتزايدون، يخضع لنزوات إسرائيل. ما يقرب من ثلاثمائة ألف فلسطيني ممن يعيشون في المناطق التي ضمتها إسرائيل بشكل رسمي في عام 1967 – القدس الشرقية والقرى المحيطة بها – لا يحملون الجنسية الكاملة ولا يتمتعون بحقوق متساوية. في العام الماضي، وجدت المنظمة غير الحكومية الإسرائيلية ييش دين أن المسؤولين الإسرائيليين ضالعون في ارتكاب جريمة الفصل العنصري في الضفة الغربية. مثل هذا الاستنتاج ما هو إلا بمنزلة مأساة للجميع، بما في ذلك هذه الصحيفة، التي تتمنى الخير لدولة إسرائيل.

تقول بيتسيلم؛ إن الفلسطينيين يُمنحون مستويات مختلفة من الحقوق بناء على المكان الذي يعيشون فيه، ولكنهم باستمرار يأتون في مرتبة دون الشعب اليهودي. وتقول المجموعة؛ إنه بات مستحيلا عزل إسرائيل عن مشروعها الاحتلالي المتواصل، مما يوقعها في إدارة نظام فصل عنصري ليس فقط خارج حدودها السيادية، وإنما أيضا داخلها. هناك ما يقرب من مليوني فلسطيني من مواطني إسرائيل، وهؤلاء يشكلون أقلية تضطر باستمرار لتجنب استعداء الأغلبية اليهودية. ليس صعبا التعرف على السياسات التمييزية داخل إسرائيل، فكثيرا ما يستخدم الأمن الوطني حجة لتبرير قوانين الجنسية العنصرية، ناهيك عن المجمعات السكنية المقتصرة على اليهود، التي تشرف على الإسكان فيها لجان قبول، من حقها بالقانون رفض طلبات الفلسطينيين بحجة “عدم الانسجام الثقافي”. كما أن هناك شبكة من القوانين الخاصة بالأرض والتخطيط صممت لحصر الفلسطينيين داخل حيز آخذ بالانكماش. هناك من بين العرب الإسرائيليين من تتناقض شهرتهم مع واقع الأغلبية التي تعيش في فقر مدقع.

لدى إسرائيل مشكلة تمييز تاريخي، إلا أنه تم في ظل حكومة بنيامين نتنياهو سن قانون الدولة القومية، الذي يكرس دستوريا فكرة التفوق اليهودي، ويضع خطة لضم أجزاء من الضفة الغربية بشكل رسمي، الأمر الذي دفع بعض أبرز المفكرين اليهود إلى التخلي عن فكرة الدولة اليهودية. لن تتشكل حكومة بعد الانتخابات القادمة لديها الاستعداد لتأييد إقامة دولة فلسطينية حقيقية أو للدخول في عملية سلام ذات جدوى.

وهذا ما دفع بيتسيلم إلى توجيه السؤال الهرطقي التالي: ماذا لو كان هناك في الواقع نظام واحد فقط بين نهر الأردن والبحر المتوسط، بدلا من قوة سياسية واحدة تسيطر على منطقة يوجد فيها نظامان مختلفان؟ كان وجود نظام منفصل وقانون غير متكافئ وتمييز منتظم ضد الفلسطينيين يبرر باعتبار أنه مؤقت. ولكن عقودا من الزمن مرت على وجوده والأوضاع لا تزداد إلا سوءا. إذا كان ذلك هو شفق الديمقراطية والمساواة في الأرض المقدسة، فلا يملك المرء إلا أن يرجو لها ليلا قصيرا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى