ثقافة وفنون

أمير الشعراء والجنرال ساراي.. والسيد ماكرون!

دلاً من أن يهجو شوقي فرنسا واستعمارها، يذهب إلى محاورتها حواراً إنسانياً حول معاني الحرية- تويتر

في مثل هذه الأيام من تشرين الأول قبل 95 عاماً، كانت قوات الجنرال الفرنسي موريس ساراي Sarrail Maurice تقصف الجانب الجنوبي من دمشق، في محاولة لإخضاع الثوار السوريين، الذين كانوا قد تمكنوا قبل أيام قليلة– مؤيدين بدعم سكّان دمشق وتجّارها- من الوصول إلى قصر العظم حيث اعتاد الجنرال الذي كان يشغل منصب المفوّض الفرنسي (السامي) أن يقيم عند وجوده في المدينة. اشتبك الثوار مع حامية القصر وتغلبوا عليها.

لم يكن الجنرال ساراي (1856-1929) في دمشق حين كان جنوده يحاولون إعادة السيطرة عليها دون جدوى. وعندما عاد الجنرال انسحب جنوده خارج المدينة على نحو مفاجئ. ليبدأوا بعد ذلك قصفاً عنيفاً للمدينة بالمدفعية التي نصبت على جبل المزة.

استمر القصف ثلاثة أيام من 18-20 تشرين أول 1925، وسقط خلاله 1500 شهيداً، وأحرقت تماماً أحياء مثل حي سيدي عامود (الذي سمّي بعد ذلك “الحريقة”) وكان يضم بيوتاً دمشقية عريقة الطراز. وقد عرف هذا الحدث بعد ذلك بنكبة دمشق الكبرى، وتردد صداه في العالم العربي، حتى كتب أمير الشعراء أحمد شوقي (1868-1932م) قصيدته الخالدة للمدينة “نكبة دمشق” المعروفة بمطلعها “سلام من صبا بردى أرق”.

في التراث الشعريّ العربيّ قصائد عديدة ترثي المدن والبلاد المنكوبة، مثل قصيدة أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس، وقصائد كثيرة في نكبة فلسطين في العصر الحديث. والقارئ لهذه القصائد يجد ثيمتين رئيستين تتكرران فيها: الثيمة الأولى، استعراض ماضي هذه المدن والبلاد وجمالها وعظمتها قبل وقوع النكبات والتألّم لما آلت إليه أمورها؛ والثيمة الثانية، هجاء العدوّ ووصف أفعاله الوحشية وتجريده من معاني الإنسانية.

في قصيدة شوقي تحضر الثيمة الأولى بقوّة، فالقصيدة تبدأ بوصف المصاب الأليم:

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ ** وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ

وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي ** جَلال الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ

وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي ** جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ

وتتابع باستعراض ماضي دمشق العظيم:

أَلَستِ دِمَشقُ لِلإِسلامِ ظِئرًا؟ ** وَمُرضِعَةُ الأُبُوَّةِ لا تُعَقُّ

صَلاحُ الدينِ تاجُكَ، لَم يُجَمَّلْ ** وَلَمْ يوسَمْ بِأَزيَنَ مِنهُ فَرْقُ

وَكُلُّ حَضارَةٍ في الأَرضِ طالَتْ ** لَها مِن سَرحِكِ العُلوِيِّ عِرقُ

بَنَيتِ الدَولَةَ الكُبرى، وَمُلكًا ** غُبارُ حَضارَتَيهِ لا يُشَقُّ

لَهُ بِالشامِ أَعلامٌ وَعُرسٌ ** بَشائِرُهُ بِأَندَلُسٍ تَدُقُّ

رباعُ الخلدِ وَيحَكِ ما دَهاها؟ ** أَحَقٌّ أَنَّها دَرَسَت أَحَقُّ؟!

ويرسم شوقي كذلك مشاهد من أهوال محرقة دمشق، كهذا المشهد الذي يصف حيرة نسائها

المرعوبات وهنّ يبحثن عن منفذ للنجاة من قصف مدفعية ساراي:

إِذا رُمنَ السَلامَةَ مِن طَريقٍ ** أَتَت مِن دونِهِ لِلمَوتِ طُرْقُ

بِلَيلٍ لِلقَذائِفِ وَالمَنايا ** وَراءَ سَمائِهِ خَطفٌ وَصَعقُ

إِذا عَصَفَ الحَديدُ احمَرَّ أُفقٌ ** عَلى جَنَباتِهِ وَاسوَدَّ أُفقُ

سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ ** أَبَيْنَ فُؤادِهِ وَالصَخرِ فَرقُ؟

وَلِلمُستَعمِرينَ، وَإِن أَلانوا، ** قُلوبٌ كَالحِجارَةِ لا تَرِقُّ

إنّ القارئ المعتاد على هذا النوع من القصائد يظنّ، حين يصل إلى هذا البيت الأخير، أنّ شوقي قد ولج بمهارة إلى الثيمة الثانية، وأنه سيبدأ في هجاء المعتدي ووصف وحشيته وهمجيته، لكنّ أمير الشعراء، ببصيرة نافذة، يقلب هذه الثيمة وينظر إلى الحدث من زاوية مختلفة تؤكد عبقريته، واتساع الأفق الإنساني الذي تتشكل فيه تجربته الشعرية.

بدلاً من أن يهجو شوقي فرنسا واستعمارها، يذهب إلى محاورتها حواراً إنسانياً حول معاني الحرية والعدالة والمساواة. فشوقي – العارف بالتاريخ- لا ينسى أنّ الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر كانت منار الحرية في أوروبا، وأنّها غيّرت مسار التاريخ الحديث، بتضحيات أبنائها الهائلة. يقول شوقي:

دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا ** وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ

جَرى في أَرضِها فيهِ حَياةٌ ** كَمُنهَلِّ السَماءِ، وَفيهِ رِزقُ


اقرأ أيضا :  سعوديون: وزير الإعلام يسطو على قصيدة لشوقي (شاهد)

إنه من الغريب جداً لشاعر عربيّ أن يمتدح الثورة الفرنسية، وهو يرثي دمشق المنكوبة بأيدي الفرنسيين! لكنّ عينيْ شوقي الدامعتين ودخان حريق دمشق، لا تحجب عن بصيرته ما لدى عدوّه من مزايا، فعدوّه ليس بربريّاً همجيّاً، وإن كان يتصرف اليوم ببريريّة وهمجيّة. ما زال باستطاعة شوقي أن يتذكر أبناء فرنسا الأحرار الذين ماتوا لتحيا بلدهم بحرية وليحظى أهلهم بالمساواة والأخوّة، ورفعوا لواء الحرية في الغرب:

بِلادٌ ماتَ فِتيَتُها لِتَحيا ** وَزالوا دونَ قَومِهِمُ لِيَبقوا

وَحُرِّرَتِ الشُعوبُ عَلى قَناها ** فَكَيفَ عَلى قَناها تُستَرَقُّ؟!

وهنا يصل شوقي لذروة حواره الإنسانيّ مع فرنسا. فإذا كانت فرنسا، وهو مقرّ بذلك، بلد الحرية التي ضحّى أبناؤها بدمائهم في سبيل نيلها، وكانت فرنسا، وشوقي مقرّ بذلك، سبباً في تنوير شعوب أخرى وتحريرها، فكيف تكون فرنسا نفسها سبباً في عبوديّة شعوب أخرى؟!

لا يحاول شوقي أن يغالط، كما يفعل كثيرون في زمنه وفي زماننا، فيقول إنّ حريّة فرنسا مجرّد قناع زائف وأكذوبة دعائية. فشوقي العارف بالتاريخ لا يمكن أن يتبنى هذا الرأي الساذج، لكنّه يحاول أن يضع إصبعه بمهارة على موطن هذا الخلل والتناقض. وفي رأي شوقي، أنّ ما انحطّ بمنزلة فرنسا هو الطبيعة البشرية لبعض السياسيين ورجال الحرب، من أمثال الجنرال ساراي، الذي أمر بقصف دمشق وحرقها، والذي يسِمُه أحمد شوقي بالطيش والصلف والحمق. بل إنّ شوقي، في قفزة إنسانية فذة، يقول إنّ الجنرال ساراي وهو يقصف دمشق كان يقصف فرنسا في الوقت ذاته. يقول مخاطباً دمشقَ:

رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا ** أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ!

إنّ دمشق وفرنسا كليهما، في الأفق الإنسانيّ، ضحيّة لهذا النوع من القادة العنجهيين الطائشين الحمقى، الذين يحرقون المدن ويسفكون دماء الأحراء ويروّعون الآمنين. وهؤلاء لا يتورعون عن فعل ذلك في بلاد غيرهم، ولن يتورعوا عن فعل ذلك في بلادهم نفسها لو اقتضى غروروهم ومصالحهم الشخصية أن يفعلوا ذلك:

إِذا ما جاءَهُ طُلّابُ حَقٍّ ** يَقولُ عِصابَةٌ خَرَجوا وَشَقّوا

والصراع بين الخير والشر، في رؤية شوقي التي تستند أساساً إلى قراءته للتاريخ، صراع حتميّ لا بدّ منه، لأنّ أمثال أولئك الزعماء الحمقى العنجهيين باقون دائماً، ومن ثمّ فلا طريق لنيل الحقوق إلا عبر التضحيات:

وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا ** وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِقُّ

فَفي القَتلى لِأَجيالٍ حَياةٌ ** وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ

وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ ** بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ

الأكثر قراءة

الفيديو الأكثر مشاهدة

مصدر arabi21

Nebraska

web developer

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى