ثقافة وفنون

أرجوحة جيك ولوسي في فيلم “آي آم ثنكنغ أوف إندنغ ثنغز”

“أفكر في إنهاء الأمور” عبارة عامة مبتذلة، يرددها الكثير من الناس يوميا، صمتا أو جهرا، تعبيرا عن ضغط نفسي أو انزعاج أو عدم رضى. وهم غالبا لا ينقلون “فكرتهم” من حيّز التفكير إلى حيّز التنفيذ، لأن “الأمور” في حياتهم العاطفية أو العملية أو الاجتماعية، أكثر تشابكا وتعقيدا، وأصعب من إنهائها بكلمة أو عبارة.

” I Am Thinking of Ending Things”

بهذه العبارة الرّخوة في دلالتها، القابلة للتأجيل في حدودها الزمانية، والقابلة للمساومة مع الذات في حدودها التنفيذية، يعنون المخرج الأمريكي “تشارلي كوفمان” فيلمه الجديد:

على مدار الفيلم الطويل (ساعتان وربع الساعة) تستمر بطلة الفيلم “لوسي” في ترديد هذه العبارة لنفسها، ونسمع صوت عقلها وهي تؤكد أنها ستنهي اليوم علاقتها العاطفية بحبيبها “جيك”.

ولنا أن نتخيّل مقدار التوتر والفضول الذي يثيره ترديد الفكرة في فيلم أحداثه كلها تجري في يوم واحد. يضاف إلى ذلك الإحساس بالحيرة الذي تثيره الأسباب المتناقضة والغامضة وغير المفهومة، التي تقدمها “لوسي” لإنهاء العلاقة.

ومع التقدم في أحداث الفيلم يتضح لنا أن العلاقة نفسها بين “لوسي” و “جيك” محل تساؤل وحيرة، بل أكثر من ذلك، الشكوك التي تعترينا، وتزداد قوة، بوجود “لوسي” نفسها كشخصية قائمة بذاتها، ناهيك عن استحالة ابتعادها عن حبيبها مهما حاولت.

فالفيلم، بأجوائه الكئيبة الغريبة، وحواراته الطويلة الملغزة، الحافلة بالإشارات والمعاني المزدوجة، يقذفنا في دوامة من انعدام اليقين تجاه حقيقة أحداثه وشخصياته.

وفي كثير من لقطاته الصغيرة، ومشاهده الطويلة، نجد أنفسنا ملزمين بإعادة النظر في التصورات التي بنيناها عن الفيلم، وبالعودة إلى نقطة البداية لبناء تصور جديد، ثم العودة، وتكرار العودة، مع كل إضاءة أو إشارة أو موقف أو إيحاء، لنجد أنفسنا في المشاهد الختامية للفيلم، في حالة من الذهول المحتشدة بعلامات السؤال، وحالة من الحيرة أمام متاهة من الاحتمالات، لا يمكننا إثبات أو نفي أيّ منها.

كيف تمكن الفيلم من إيقاع كل هذا التأثير في نفوسنا، وخلق الأوهام في عقولنا، والتلاعب بأبصارنا وأسماعنا وإدراكنا وذكائنا وثقافتنا السينمائية وخبراتنا في الفهم والتحليل، مع الاحتفاظ بفضولنا وانتباهنا وتعلقنا به من بدايته إلى نهايته؟

وهل يمكن لأي متابع عام أو متخصص، أن يحسم الجدل حول هذا الفيلم، ويقدم تحليلاً واحداً حاسماً له، من دون أن يلقى تحليله اعتراضاً أو نقضاً أو تشكيكا؟

إن الحقيقة الوحيدة في هذا الفيلم، هي حقيقة المشاعر التي يولدها في نفوسنا خلال متابعتنا لأحداثه، وكلها مشاعر غير مريحة، بل يمكن وصفها بالكآبة السوداوية، التي تتسرّب إلى نفوسنا شيئاً فشيئاً.

كآبة تمزّق قلوبنا تجاه تمزّق التواصل الإنساني بين الشخصيات، النظرات الشاردة، والانفعالات الحادة، وزلات اللسان الفاضحة، والخيبات المؤلمة، وحركات الجسد المتوترة، والتغيرات المفاجئة في الوجوه، وانقطاعات الحوار، والسقوط في فجوات متوترة مؤلمة من الصمت، وتجارب الماضي الطافية كالجثث على سطح الحاضر.

يضاف إلى ذلك أجواء العاصفة الثلجية المصاحبة لأحداث الفيلم، وتبدأ بندف نهاري مبهج للثلج في اللقطات الأولى، ويشتدّ حدة مع تقدم الأحداث، منذراً بخطر قادم، ليتحول إلى عاصفة سوداء من الحزن والكآبة واليأس مع نهايات الفيلم.

تجري أحداث الفيلم في سيارة “جيك” في جزئها الأول، وفي بيت والديه الواقع في مزرعة بعيدة عن المدينة في جزئها الثاني، وفي مدرسته الثانوية التي درس فيها خلال طفولته ومراهقته في جزئها الثالث.

اللقطات الأولى في الفيلم مهمة، قبل انطلاق “لوسي” و”جيك” بالسيارة لزيارة والديه في المزرعة، موسيقى تصورية لطيفة، وتساقط خفيف للثلج مع شمس مشرقة، ولوسي تبدو شابة سعيدة تنتظر حبيبها، ولقطات لبيت واسع نظيف، وأرجوحة مزدوجة المقاعد في الحديقة، ورجل كبير في السن وجهه للنافذة، وظهره للكاميرا، ويقول عبارات غير مفهومة. هذه اللقطات والأجواء مهمة، لأنها لن تتكرر على هذا النحو الجميل حتى نهاية الفيلم.

أثناء رحلة السيارة، تتبدل الأجواء، وتسْوَدّ السماء، ويتزايد سقوط الثلج، وتختفي الموسيقى، ويحل محلها صوت مساحات الزجاج، وهي تتحرك حركة رتيبة مزعجة لنا ونحن نتابع الحوار الطويل بين “جيك” و”لوسي”.

يبدو أن “جيك” يسمع صوت “لوسي” التي تفكر في إنهاء علاقتها به. لكنها تخفي الفكرة عنه، ولا تصارحه بها أبداً، وكل الأسباب التي تدور في عقلها لإنهاء العلاقة، هي من ناحية منطقية تدعو للحفاظ عليها؛ فهي تعترف أنها لم تجمعها بإنسان مثل هذه الروابط القوية والعميقة والقديمة التي تجمعها به، على الرغم من أن العلاقة العاطفية بينهما بدأت قبل سبعة أسابيع فقط.

تفكيك التناقض واللامنطق هما أفضل منهج لتحليل الحوارات والأحداث والمواقف في هذا الفيلم. إذ لا يمكن أخذ كل هذه العناصر على محمل الحقيقة الواقعية النهائية.

كما لا يمكن فصل الحوارات عن الرموز البصرية المتداخلة معها، لأن الرموز البصرية كثيراً ما تلغي اللغة المنطوقة أو تتناقض معها، أو تنزاح بها إلى معانٍ مختلفة عن منطوقها، أو تلقي عليها ظلالاً من الشك.

وينسحب هذا الشك على كل الوقائع والأحداث، من النواحي الزمانية والمكانية والواقعية. وفي المحصلة النهائية لا يمكننا إلا الإقرار بوجود عدة سيناريوهات واقعية للفيلم، وكل واحد منها معزز بأدلة تثبت واقعيته المختلفة.

أحد هذه السناريوهات يفترض أن “لوسي” ليست شخصية واحدة، وإنما هي مجموعة من النساء اللواتي عرفهن “جيك” خلال مراحل مختلفة من حياته، ويدل على هذا السيناريو أن “لوسي” ظلت تتلقى اتصالات عبر هاتفها المحمول من نساء لهن أسماء مختلفة، أحدها “لوسي”.

وكانت ترتبك وترفض الرد على معظمها، وإذا ردّت يكون المتحدث على الطرف الآخر رجلاً يكرر العبارة نفسها التي قالها العجوز في الواقف أمام النافدة في أول الفيلم. وفي لقطة سريعة داخل السيارة، تحوّلت “لوسي” إلى امرأة أخرى أثناء حوارها مع “جيك”، ولم تظهر هذه المرأة نهائياً بعد ذلك.

ويعزز هذا السيناريو التناقضُ في سيرة “لوسي”، فهي تلقي قصيدة طويلة من تأليفها بعد قليل من قولها بأنها لا تتقن لغة الشعر. كذلك تروي تفاصيل مختلفة للقائها الأول ب”جيك”. وحتى مجالات عملها واختصاصها تتغير خلال الفيلم. إضافة إلى لقطة حاوية القمامة التي ترى “لوسي” أنها تحتوي على المئات من أكواب الآيس كريم من نفس النوع والشكل الذي تناولته مع “جيك”.

يمكن لنا القبول بهذا السيناريو من دون التعمق أكثر في عوالم الفيلم النفسية والذهنية. لكنّ سيناريو آخر يفرض نفسه حين نتأمل رمزين بصريين في غاية الأهمية، هما الأرجوحة الثنائية المقاعد، التي تظهر في أول الفيلم ثم تظهر خلال رحلة السيارة. والثاني هو صورة “جيك” الفوتوغرافية المعلقة في صالة بيت والديه.

يقول “جيك” إن الصورة الفوتوغرافية له، وهو طفل بعمر العاشرة تقريباً. وترد “لوسي” بأنها تحسّ بأن الصورة لها في طفولتها. ولا تعللُ وجود صورتها معلقة في بيت تزوره لأول مرة، ولم يسبق لها اللقاء بأصحابه.

لا يمكن أن نفسر هذا الموقف الغريب، إلا بأن نستنتج وجود تداخل، أو أصل مشترك بين شخصيتي “جيك” و”لوسي”. ويزداد هذا الاستنتاج قوة بالعودة إلى بدايات الفيلم، وتحليل أفكار “لوسي” ومشاعرها في ضوئه، خصوصاً شعورها بوجود علاقة عميقة متينة وقديمة تربطها به برغم حداثة العلاقة بينهما.

“جيك” و”لوسي” وجهان لشخصية واحدة منقسمة على ذاتها، أو منفصمة على طريقة فيلم “دكتور جيكل ومستر هايد” المقتبس عن رواية “روبرت لويس ستيفنسون”. والأمر الغريب الجديد في هذا الانفصام، وقوعه على شكل شخصيتين مختلفتيْ الجنس.

ولفهم هذا الفصام الثنائي الجنس في شخصية “جيك” لا بد من الانتباه إلى مجموعة كبيرة من الإشارات والإيحاءات المتصلة بحياته الجنسية، وبعلاقاته النسائية في مراحل سابقة، منها ملاحظات الأب وتساؤلاته عن حياة ابنه الجنسية، وإيحاءات صدرت عن الأم حول طفولة “جيك” التي تميزت بالعزلة الاجتماعية وانعدام الصداقات مع الأولاد، ومنها مشهد المرور على كفتيريا الأيس كريم، وهو المشهد الذي يرجع زمنياً إلى مراهقة “جيك”، وفيه تسخر البائعتان الجميلتان المغرورتان منه، بينما تبدو البائعة الثالثة متعاطفة معه، لأنها تشبهه في حساسيتها وانعدام ثقتها بنفسها.

تكتسب الأرجوحة ثنائية المقاعد بعدا رمزيا شديد الدلالة في سياق سيناريو انفصام الشخصية ثنائي الجنس. فالأرجوحة ظهرت في اللقطات الأولى من الفيلم في الصور المصاحبة لتداعيات “لوسي” الذهنية.

وفي الظهور الثاني لم يلحظ “جيك” الأرجوحة خلال قيادته السيارة، ولفتت “لوسي” نظره إليها، وعبّرت عن دهشتها لرؤيتها وسط الثلج في مزرعة خالية. وقدم “جيك” تفسيرات منطقية لوجود الأرجوحة في هذا المكان المقفر لم تُقنع “لوسي”.

ترمز الأرجوحة إلى شخصيتين مرتبطتين بجذر نفسي واحد، لكنّهما تتخذان مسارين منفصلين أثناء الحركة، فحين تتجه الأولى إلى الأمام، تتجه الثانية إلى الخلف، والعكس صحيح. وتستمر الشخصيتان في المراوحة في مجال الأرجوحة الفيزيائي، وتتجاوران في نقطة زمنية مكانية محددة، ثم تعاودان الانفصال. ولا يرقى الانقسام في شخصية “جيك” إلى حد الفصام المَرَضي الكامل، وإنما يشير إلى شخصية معقدة لرجل مثقف يحتجز في داخله امرأة مثالية من صنع أوهامه، ولأنه صنعها على نحو مثالي فهو يماطلها حقها في الظهور.

والتعايش بين الشخصيتين ضروري لأنه يحقق التكامل لهما، لكنه صعب لرغبة كل منهما في الظهور على الآخر. وهنا يتكشّف المعنى الرمزي “للسلاسل” المانعة للتزحلق، التي وضعها “جيك” حول عجلات سيارته، وتكررت الكلمة أكثر من مرة على لسانه “عندي سلاسل” وهو يردّ على مطالبات “لوسي” بقطع الرحلة إلى المزرعة. فالسلاسل رمز للروابط التي تقيدهما وتحول دون انفصالهما.

تفسر الأرجوحة العلاقة بين “جيك” و”لوسي”، وتفسر جدلية الارتباط والانفصال بينهما، التي تهيمن على مسارات الأحداث في الفيلم كله. وتفسر أيضاً، سريالية التكوين الزماني للفيلم، المتحرر من منطقية الزمن الواقعي، تحرراً يسمح بالجمع بين الشخصيات في مكان واحد، ولكن في أزمنة مختلفة.

ومثل هذا المنحى السريالي يغمر مشاهد الفيلم غمراً، خصوصاً المشاهد التي تجمع والدي “جيك” في شبابهما ومنتصف عمريهما وشيخوختهما مع “لوسي” و”جيك” شابّين كما هما.

وتفسر الأرجوحة أيضاً، إحساس “لوسي” القوي بانتمائها اللاشعوري إلى مزرعة عائلة “جيك” برغم أنها تزورها لأول مرة، ووجود متعلقات لها مثل الكتب والأسطوانات الموسيقية واللوحات في غرفته وقبو بيت عائلته.

يظلّ الفيلم قابلاً للمزيد من للتأمل، والتعمق في قراءة الرموز، وتحليلها، خصوصاً شخصية الرجل العجوز، الذي يبدو أنه حجر الزاوية في أي سيناريو تحليلي محتمل للفيلم، ففي اللقطات الأخيرة منه، تذوب شخصيتا “جيك” و”لوسي” في شخصيته، وتصب كلّ الإشارات والرموز في اللقطة المحزنة للرجل العجوز المثير للشفقة، وهو يمشي عارياً تائهاً في ممرات المدرسة.

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى