ثقافة وفنون

أربع أغان للمولد النبوي الشريف

لم يكن بُدٌّ من انعكاس الدِّين الإسلاميّ على الفنّ، فالإسلام من ناحيةٍ دِينٌ لا يرضى ألاّ تَطالَ أذرُعُه كُلّ مناحي النشاط الإنساني، والفنّ كعادته لا يقفُ أمام موضوعٍ عاجزًا عن استلهامِه واستنطاقه.

وهكذا تحوّلت شخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم بوصفِه التجسيد الأتمَّ للإسلام والشخصية الرئيسةَ فيه إلى موضوعٍ للشطر الأكبر من الأغاني العربية المتمحورة حول الإسلام، وأصبح هناك قسمٌ مستقلٌّ بذاتِه من الغناء العربيّ يسمَّى (المَدح)، ولا يُعنى به المدح على إطلاقه كما في شِعر العربية المكتوب، وإنما مدحُ سيدِنا محمَّدٍ تحديدًا، لا يتعدّاه إلاّ إلى آلِ بيتِه ومَن سارَ على نهجِه من المعروفين شعبيًّا بصِفَتِهم أولياءَ الله الصالِحين. وبمناسبة المولِد النبوي الشريف، نتناول أربَعًا من الأغاني المصرية العربية التي بذلَها صُنّاعُها في محبّة خاتَم الرسُل، عليه وعلى آلِه أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم.

* النبي تبسَّم – سعاد محمد:

بدأ (سيد مكاوي) اللحن بدخول إيقاع المصمودي الكبير (8/4) مُزخرفًا في سكتاته معزوفًا على الدفوف وطبلة الباص تؤازرهما الصاجات فيما يشبه الاحتفالات الشعبية المصرية بالمولد النبوي. ثم تنطلق الوتريات في مقام الهُزام. يدخل بعد ذلك صوت (سعاد محمد) القوي الحَنون في مزيجٍ متفرّد، شاديًا في مقام الهُزام بكلمات (فؤاد حدّاد) المفعمة بالشاعرية “يا مكّة بِطاحِك/ شافِت سِنّ ضاحِك/ مِن ليلك صباحِك/ لَمّا أن تَبَسَّم” متّسقةً على وزن (مَفعُولُنْ فَعُولُنْ).

والمُلاحَظ أنّ (مكّاوي) بانتظامِه هذه الكلمات على مقام الهُزام المُوحي باللوعة أوحى إلينا بأنّ المُطربةَ والجوقة لا يطيقون صبرًا عن رؤية تبسُّم النبي، فكأنهم جمعٌ واقِفون ببابِه يتدافَعون لرؤيته، وقد نقلَ أقربُهم إلى الباقين خبرَ ابتسام النبي. وفي اللازمة الموسيقية التالية يتحول الإيقاع إلى المقسوم الراقص بينما تتبادل جوقتا الرجال والنساء غناء جُملة “النبي تبسَّم”.

في الغصن التالي يتحول اللحن إلى مقام الراست الفرِح مواكبًا لكلمات “يا هادي يا هادي/ يا نُورَ الوِهادِ/ يا ضَيَّ المِهادِ/ يا شِفا يا بَلسَم”، وهنا يتصرّف (حدّاد) وفق ما تتيحُه مرونةُ النُّطق في العامية المصرية ليتّسِق نَظمُه مع الوزن الذي بدأ به الأغنية (مفعولُن فَعولُن)، فيُشبِع ألِف أداة النداء الأولى ويختزل الثانية إلى فَتحة في الشطر الأول، فكأنه يقول “يا هادي يَ هادِي”، ليخرج قليلاً إلى وزن (فاعِلُن فَعولُن) في “يا شِفا يا بلسم”.

ثم يتحول اللحن تحوُّلاً جديدًا إلى مقام البياتي مع كلمات “أحيا المُزن مازن/ وبلال المآذِن/ واهتزِّت هَوازِن/ وابن حَرب أسلَم”، وهي أشطرٌ تتّسِق تمامًا مع أوزان الأشطر الأربعة السابقة، وتتجلى فيها شاعرية (حداد) وفرادته حين يحشد معاني كبيرة ويستدعي وُجوهًا مهمة من السيرة من خلال أشطر قصيرة. والمهم أن دفء مقام البياتي يعطي انطباعا باستقرار أمر الإسلام ويخلق حالة من الألفة بين المتلقّي والمعاني المُشار إليها في الأشطر، ليعود اللحن إلى المقام الأساسي (الهُزام) مع “وابن حرب أسلَم” في إشارة إلى إسلام أبي سفيان في فتح مكة.

يعود البياتي للظهور في الغصن التالي “يا خُضر البيارق/ زيِّنتي المَشارق/ من خالد لطارق/ الغازي المُلَثَّم”، مؤسِّسًا للألفة مع معنى الفُتوح الإسلامية. ويستمر البياتي مع أشطُر “بالنِّعمة فحدِّث/ إنَّ اللهَ أنعَم/ بالدُّرَّة اليتيمة/ يا قلبي المُتَيَّم” حيث يعود إلى الهُزام مستقرًّا على نغمة الأساس (مي نصف بيمول) مع آخِر الشطر الأخير. وهو تصرُّف لحني يتكرر في الغصن التالي “ياما ف الليالي/ كان الصبر أحزَم/ قلبي لم تَشَكَّى/ تحميني الملايكة/ يا شوقي لمَكَّة/ وحنيني لزمزم”.

الشاهد أنّ (فؤاد حدّاد) هنا يتّخذ من محض ابتسامة النبي التي تبدو حدَثًا مبهجًا وسط صحراء مكّة القاحلة مُنطلَقًا للحديث المقتضَب المكتفي بالإشارات اللطيفة إلى فضل البعثة النبوية على العالَم، متدرّجًا من البيئة المحلّيّة (بطاح مكّة)، إلى ما جاورها من الجزيرة (هوازن مثَلاً) إلى جنَبات العالَم الإسلامي مع اتساع رُقعته. ولم يقصر (مكّاوي) في لحنه عن عبقرية (حدّاد)، وجاء أداء (سعاد محمد) المتّزِن متممًا لفرادة وجَمال الأغنية.

* مُحَمَّدٌ يا رسولَ الله – ياسمين الخيّام:

من كلمات عبد الفتاح مصطفى ولحن الدكتور جمال سلامة، غنّت الحاجّة (ياسمين الخيّام) رائعتها الخالدة في تتر مسلسل (محمّد رسول الله) الذي عُرضَت أجزاؤه الخمسة بين عامَي 1980 و1985 على شاشة التليفزيون المصري.

تبدأ الأغنية بمقدمة موسيقية قصيرة على الكيبورد في مقام الكُرد على درجة (سِي)، ثم تسلّم الوتريات (الخيّام) عند درجة (مِي) لتنطلق في سلّم (مِي) الصغير (أي مقام النهاوند على درجة مِي) المناسب برصانتِه للتأمُّل: “دعوةُ إبراهيم/ ونبوءةُ موسى/ ترنيمةُ داود/ وبشارةُ عيسى”. تُرَدِّد جوقتا الرجال والنساء الأشطُرَ الأربعة مع تأخُّر جوقة النساء قليلاً ليلتحم صوت الجوقتين في نهاية كل شطر، وهو إقدامٌ على تعدُّد الخطوط اللحنية يميِّز إسهامات د.جمال سلامة في الأغنية الدينية.

والمهم أن الشطر الأخير (وبشارةُ عيسى) يمثل القنطرة التي يعبر عليها اللحن إلى السلّم الكبير المناسب لسلّم مي الصغير، وهو سلّم (صول الكبير) الذي تنتهي الجملة الموسيقية (محمَّدٌ رسولُ الله) على درجة ركوزه (صول) مُعلِنةً فرحًا كونيًّا بإعلان حقيقة رسالة مُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلَّم التي أتت متممةً لرسالات من قبلَه من الأنبياء.

تنطلق جوقة الرجال بعد ذلك مرددةً (محمَّدٌ يا رسول الله)، مرتكزةً على درجة (ري)، حيث تشغل الجملة مازورتَين تتكرران خارجَتين من مَقام الكُرد لتمسّا درجة (سِي) في إيحاءٍ بالتوتُّر، تتبعهما مازورتان تاليتان متّسقتان مع مقام الكُرد يجيء تتابع نغماتهما (دو- ري – ري – دو – دو – سي بيمول – سي بيمول – لا – سي بيمول – دو – ري –دو – ري)، تحُلاّن مؤقّتًا توتُّر ما قبلهما، ثم يهبط اللحن مع كلمات (يا حبيب الله/ يا أمين الله/ يا نبي الله/ يا محمد) مستبدلاً سلّم النكريز على درجة (دو) بسلّم (كُرد ري)، ثم يصعد مجددًا سلّم النكريز، ليستقرّ على درجة (ري) درجة ركوز (كُرد ري).

والخلاصة أنّ الدكتور جمال سلامة يخلُق في هذا اللحن تتابُعًا متلاحقًا منحوتًا بحساسيةٍ ومهارةٍ شديدتين من التوتُّرات والانفراجات اللحنية، يكاد ينطِق بما تحتشد به سيرةُ النبيّ الأكرَم من أحداثٍ شكَّلَت وِجدانَ المسلمين خلال أكثر من أربعة عشر قرنا.

وجاء أداء (ياسمين الخيّام) الرهيب مناسبًا تمامًا لما في كلمات (عبد الفتاح مصطفى) من صوفيّةٍ وحِسٍّ إسلاميٍّ صادقٍ، لاسيّما في المقطع “محمَّدٌ في الغُيوب/ في لوحِها المكتوب/ بُشرى تهُزُّ القلوب/ بالرحمةِ المُهداةْ/ والرُّسلُ والأنبياءْ/ صَرحٌ عظيمُ البِناء/ بَناهُ رَبُّ السماءْ/ محمَّدٌ مُنتهاهْ”، ومناسبًا كذلك لما في لحن (سلامة) من جلالٍ وجمال.

ومنذ بداية مقطع (محمدٌ في الغيوب) يسترسل اللحن على مقام العجم (سلّم صول الكبير) وصولاً إلى جملتَي (صلى الله على محمد/ صلى الله عليه وسلَّم)، ليتكرَّسَ إحساس الفرح في نهاية الأغنية، فكأنّ جموع المتلقِّين من المسلمين يشاطرون الملأَ الأعلى فرحتَهم برسالة النبي الخاتَم.

* لاجل النبي – محمد الكحلاوي:

على إيقاع المصمودي الصغير (البلدي)، تنقرُه طبلة الباص والرّق يؤازرهما تصفيق الكحلاوي وجوقتِه، وفي مَقام الصَّبا الحزين، غنّى الحاج محمد الكحلاوي كلماتٍ موغلةً في البساطة “يا إله الكُلّ كُن لي كُن لي/ انت عالم بيّا كُلّي كُلّي/ يظلموني، انت شايف/ يِتهِموني برضُه عارف/ من عبيدك إيه حصل لي/ أنا فِ جاه النبي/ تقبل صلاتي ع النبي.. إلخ”.

يتحول اللحن إلى مقام الحجاز مع “يا إله الكل عِنِّي/ مِ العِباد ما حَدّ عانّي/ يا نصيري يا إلهي/ يا مُجيري إنتَ جاهي/ غيرَ بابك لم يَكُن لي”. والكلمات إجمالاً تتمحور حول الاستغاثة بالله والشكوى من الناس وخذلانهم، والتشفُّع بالنبي صلى الله عليه وسلّم.

عُدَّت الأغنية ضمن تُراث المَدح المصريّ لارتباط الكحلاوي بهذا اللون، ولتكرار التشفُّع بالنبي فيها، وهي مثالٌ بارزٌ في معانيها لقطاع عريض من الغناء الشعبي المصري يتّخذ الشكوى من الناس أساسًا قد يتشعّب منه إلى الاستغاثة بالله، لاسيّما أن الحاج الكحلاوي بعد وصلة قصيرة للناي ينطلق في موّال طويل متحررًا من الإيقاع مشنِّفًا آذانَ محبِّيه بزخارفه الأدائيّة البارعة، يطلب التوبة من الله لنفسه وللعُصاة “يارَبّ توبة نصوحة بعد عصياني/ قبل امّا اشيب وانحني وامشي بعصياني”.

* خُد بإيدي – شادية:

على إيقاع المقسوم غنّت شادية (خُد بإيدي) من كلمات علية الجعّار ولحن عبد المنعم البارودي. المقدمة الموسيقية القصيرة في مقام (كُرد على درجة لا) تمسّ مقام البياتي مسًّا خفيفًا قُرب نهايتها لتتسلّم شادية الغناء على درجة (فا) قائلةً: “جَه حبيبي وخد بإيدي/ قلت له أمرَك يا سيدي”، حيث تمسّ الفواصل الآلية مقام البياتي بدورها خفيفًا بعد قولها “قُلت له”، ثم يتواصل الغناء في مقام الكُرد، ليخرج خروجًا قصيرًا مع جملة “وبْنُوره مِشيِت خطوتي” إلى مقام الراست على درجة (ري) للإيحاء بفرحة الاهتداء بنور النبيّ والاقتداء بتعاليمِه. يعود اللحن إلى الكرد لينتهي الغصن الأول من الأغنية على البياتي مع ترديد “أمرك يا سيدي”، في إيحاءٍ بدفء معيّة النبيّ.

يتحول اللحن تحولاً صريحًا إلى مقام راست على درجة ري مع مقطع “هوّ نعمة مِ السما/ أرسلها ربي بالهدى”.

وحين تبلغ شادية قولَها “يوم ما جه حسّيت بإن اليوم دا عيدي” تؤدي الجملة بين نغمتَي (فا – سي بيمول) كأنها واقعةٌ بين مقامَي (عجم على درجة فا – وكُرد على درجة لا)، لترد عليها جوقة السيدات مكررةً نفس الجُملة، هابطةً سلّم (بياتي على درجة لا) من درجة فا إلى نغمة ركوزه (لا)، ويخلق البارودي بهذه الطريقة إحساسًا بالفرحة الأولى المرتبكة لدى (شادية) مع لقائها الأوّل بالنبي، فهي معلَّقَةٌ بين مقامَين، تشدو عاليًا بنغمات الجواب، ويَتبع هذا الارتباكَ استقرارٌ للمشاعر ووقوعٌ للأُنس والألفة والدفء مع هبوط سلّم البياتي.

بعد هذا المقطع، وتحديدًا في الثانية الثامنة بعد الدقيقة السابعة (07:08) من هذا الفيديو، يتحول الإيقاع بشكلٍ مفاجئ إلى إيقاع (أيُّوب) المرتبط في الوعي الجمعي المصري بالزار كما هو مرتبط بالموالد وحلقات الذِّكر، ويصدح الناي عاليًا في مقام راست على درجة ري (راست دوكا)، تجاوبه الكمنجات، وتتكرس حالة حلقة الذِّكر، لتنطلق السيدة شادية بين درجتَي (ري – صول) قائلةً: “وادي حالي وحال جميع المؤمنين” فتردّ عليها فرقتان من جوقة الرجال، إحداهما عند درجة (لا) الأعلى من المساحة الصوتية التي غنّت فيها تقول “صلى الله على محمد”، بينما الفرقة الثانية تبدأ عند درجة (لا) الأخفض من مساحة (شادية) مكرِّرةً “وادي حالي وحال جميع المؤمنين”.

هكذا استطاع البارودي باقتدارٍ وعرفانٍ موسيقيٍّ أن يستغلّ درجة (لا) غمّاز مقام (راست دوكا) – وهو مقام هذا الغصن من الأغنية – حيث الغمّاز هو الدرجة الخامسة من المقام وعنده يبلغ توتُّر المقام أقصاه، وهو قد استغلّ هذا الغمّاز مرّتين في لحظةٍ واحدةٍ محتشدةٍ بالعواطف، جعلَت جميع المؤمنين كأنهم واقفون متراصُّون في حلقة ذكرٍ عملاقةٍ، يلهجون بالصلاة على النبي عاليًا، وفي نفوسهم يتردد لحنٌ خافتٌ بالأُنس إلى بعضهم البعض.

وتظل حلقة الذكر منصوبةً مع استرسال كلمات هذا الغصن “اللي آمنوا بالنبي الهادي الأمين/ اللي جه رحمة لكل العالَمين/ يا نبينا يا ختام المرسلين”، لتُنهي شادية الأغنية قائلةً “خُد بإيدي” صاعدةً من درجة صول إلى سي بيمول ثم هابطةً إلى (لا) غمّاز المقام ومستقرّةً عليه، لتترُكَنا في شوقٍ إلى أمرٍ خارج حدود الأغنية، حيث تنتهي الأغنية بلحظة توتُّرٍ غريبةٍ كأنها تنتظر انفراجًا يأتي من خارجِها، فهي لحظة شوقٍ صوفيٍّ مشحونةٌ بالدلالات.

أحسن البارودي استغلال الجوقة لتدعيم هارمونية لحنه، فقد جاء اللحنُ ثَريًّا عاطفيًّا للغاية، والفضل يعود جزئيًّا لتلك الهارمونيات المبثوثة في اللوازم الآلية والمقاطع التي تؤديها الجوقة من حينٍ لآخَر.

مصدر arabi21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى